SCENE: SCENE_01

القلعة

القلعة
0:0043:06

الفصل الخامس

مشهد 1: القلعة

مالت آلاف الأكتاف في اللحظة نفسها.

على الشرفات، وعلى الجسور، وعند أبواب الأروقة، بقي كل شخص في موضعه، ومالت الأكتاف كسنابل حقل تحت ريح واحدة.

ومن طرف جسر مقطوع فوق الهوّة، خرج الحجر الأول.

طرقة.

ثم الثاني.

كانت يدٌ تقبض على حاجز حجري. لم يعرف صاحبها متى أمسكه.

تحت أصابعه كان الحجر خشناً ودافئاً.

الضباب يحيط بكل شيء.

لكنه فقط ضباب هذه المسافة. الرمادي الأزرق الذي كان شاشة خرساء، أصبح له معالم وأصوات: طريق تحت قدم، ممرات وخطوات بعيدة، وحبلٌ يُشدّ في مكان ما. يحتوي على مناطق، مشاعات، ومرفأ له أرصفة، وأماكن لها أسماء.

موكا يمشي إلى جوار آدم، حاملاً الوعاء المكسور. الفتى الذي كاد أن ينتهي إلى ثقب في المرفأ، ثم كاد يسلك طريقاً لا يحمل إلا واحداً.

وآدم، الذي اعتاد أن يستيقظ على سرير، تحت إشراف الراعي، يمشي الآن ومعه رفيق يخاف عليه، وأسماء يعرفها: أمينة، مايك. وليان، المفقود.

الأسئلة ما زالت كثيرة. صار يعرف منها ما يكفي ليميّز أيها بلا جواب بعد.

مشيا وقتاً قبل أن يتكلم أحدهما.

قال آدم: «هل كنت تعرف ذلك المكان؟»

«لا يبدو أنه مكان أصلاً.»

مضى موكا خطوتين.

«مجموعة غريبة، لو جاز أن نسميهم مجموعة.»

ثم استطرد، كأنه يحدّث نفسه:

«لا أعرف أماكن كثيرة خارج المرفأ. تجولت في أطراف المشاعات. حاولت أن أدخل السوق، فمنعوني.»

«من منعك؟»

«كل من أعرفهم. أمينة، سليم، ليان. حتى الراعي حذرني، ولم يقل لماذا.»

رفع الوعاء قليلاً. تحرك المفتاح في قاعه.

«كم بقي؟ أسأل بصفتي من يحمل الأمتعة.»

«لا أعرف المسافة بعد.» نظر آدم إلى الأمام. «لو جربنا الطي، سنصل أسرع كثيراً.»

«ذلك الانتقال؟ لا أعرف كيف أفعل ذلك. ولم تكن أنت شخصياً في أفضل حالاتك بعده. أمينة أخبرتني.»

قدرة مختلفة، ربما. أو محدودة بمناطق.

ثم فتح آدم بصيرته.

كان الخيط الرمادي ما يزال أمامهما، رفيعاً، كما كان منذ غادرا. لم يعرف إن كان طريق العودة. عرف فقط أنه لم ينقطع.

أغلقها.

تابعا السير بحرص. لا يعرفان ما قد يحدث إن حادا عن الخيط الذي يتبعه آدم.

«من العار أن نغرق في الضباب أثناء العودة، أعتمد عليك.»

مرت عبارة موكا سريعاً في عقل آدم المنشغل بمتابعة الطريق. ثم جاءه أثر حركة بعيدة. وبعد خطوات، قال: «وصلنا.»

كانت المشاعات تُخلى بشكل منظم.

في الطريق إلى المرفأ مرّا بالمناطق الأربع التي استقرّ فيها الناجون منذ الطوفان. أعدادهم زادت بشكل ملحوظ.

عدّ موكا على أصابعه، ثم توقف. «خمدنا مرتين منذ ذهبنا.» نظر إلى الصفوف المنتظمة. «وهذا لا يُصنع في دورتين.»

عبر آدم موضعاً خالياً. كان قبل قليل ممراً له حصى دقيق تحت القدم. صار سطحاً لا يعرف ملمسه.

أشار موكا إلى ممر آخر بجواره. عند طرفه ما زال رجل جالساً على الأرض، ينتظر.

«من هنا.»

«لماذا؟»

أومأ موكا برأسه في الاتجاه نفسه، دون أن يجيب.

عند طرف الصف الأخضر، جاء رجل في الاتجاه المعاكس.

كان يمشي ضدّ الجميع. وفي راحته علامة خضراء صغيرة، من النوع الذي رآه آدم على صدور الواقفين في الصف. هذه وحدها كانت منزوعة.

تنحّى موكا ليفسح له. لم يمرّ الرجل. توقف أمامهما، ونظر إلى العلامة في يده.

قال آدم: «هل تحتاج شيئاً؟»

رفع الرجل رأسه. كانت ملامحه واضحة، وحوافه ثابتة.

«قاسوني ثلاث مرات.»

«وبعد؟»

«في كل مرة خرج شيء مختلف.»

نظر إلى الصف خلفه. كان الطابور يتقدّم بانتظام، واحداً عند كل نبضة.

«قالوا إن الأماكن لمن تتوافق قراءاتهم فقط.»

ثم مشى إلى جوارهما بضع خطوات، وانعطف وحده بعيداً عن الصف.

نظر آدم خلفه. حيث وقف الرجل قبل قليل، كان الحصى قد بدأ يفقد حدّته.

عبرت السلسلة البنفسجية أمامهما، تمشي كلها في اتجاه واحد. رأى آدم وجوه من فيها، كل وجه على حدة. ثم تباطأت السلسلة عند منعطف، فصار التمييز بين الوجوه أصعب. ولما استأنفت المشي، عاد كل وجه وجهه.

قال موكا: «لا تقف وأنت بينهم.»

«لماذا؟»

«لا أعرف. لكنها تبدو كرحلة، ونحن لسنا من الركّاب.»

على يسارهما، كان موضع أزرق يحمل شخصاً واحداً. كان صاحبه يطوي حدّه نحوه، كمن يجمع أغراضه.

ثم لم يكن هناك.

لم يغادر معه أحد. بقيت المواضع الزرقاء الأخرى مشغولة، كلٌّ بصاحبه.

ومن جهة الضوء الذهبي، جاءت نغمة، رنيناً صافياً كطنين شوكة رنانة ضُربت في فراغ.

ثم جاءت مرة ثانية.

توقف آدم.

كانت النغمتان متطابقتين.

عرف الصوت.

التفت نحو الصف الذهبي.

كان الواقفون قد بدأوا يتحاذَون. لم يكن أحد يقودهم. تحرّك كتف، فتحرّك كتف آخر بعده بقليل، ثم صار الفارق بين الحركتين أصغر.

ثم لم يعد هناك فارق.

ولم يعد هناك أحد.

لم يمشوا، ولم يتفرقوا. الموضع الذي كان يحمل مئة شخص صار فارغاً في اللحظة نفسها.

فتح آدم بصيرته.

فوق الموضع الفارغ امتدّ الطريق الذي سلكوه. شيء لم يره من قبل، أشبه بجسرٍ يحمله كثيرون معاً. كان يصعد بانحناء واحد لا يتغيّر، ونسيجه متكرر: كل جزء منه مثل الجزء الذي قبله، ومثل الذي بعده.

لو مشى عليه، لن يضلّ.

ولن يعرف كم قطع منه.

وفوق المواضع الأخرى رأى أشياء مثله، أرقّ، بدأت تتكوّن. كلٌّ يمضي في اتجاه لا يشبه الآخر.

أغلق بصيرته.

قال موكا: «ماذا؟»

«أستطيع أن أرى إلى أين ذهبوا.»

نظر موكا إلى الموضع الذهبي.

«أنا أرى مكاناً خالياً.»

مشيا. عند حدّ المشاعات، توقف آدم.

كان الطريق إلى المرفأ ظاهراً، عريضاً، وعليه حركة.

وكان الطريق الذهبي ظاهراً له وحده.

قال: «الصغير هناك.»

لم يسأل موكا كيف عرف.

«وستذهب.»

«نعم.»

نظر موكا إلى الطريق الذي يراه هو.

«سأكون عند الحبل.»

«قد أتأخر.»

«الحبل لا يتحرك.»

التفت إليه آدم.

كان موكا قد بدأ يمشي. قال من غير أن يلتفت:

«ارجع وأنت ما زلت أنت.»

مشى آدم في الطريق الذي رآه. صارت تحت قدميه درجات، تهتز.

ثم توقفت الدرجات عن الاهتزاز، وبدأ يسمع وقع قدميه.

توقف، فوقف الصوت. نقل قدمه إلى الدرجة التالية ببطء. جاءته طرقة خفيفة من تحتها، وترددت بين جدارين، لم يكونا قد اتضحا حتى بدأ الصعود. مد يده إلى أقربهما. حجر دافئ، خشن قليلاً، حباته متفاوتة تحت إصبعه. حك إحداها بظفره، فبقي خط أبيض قصير.

جاء من خلفه وقع أقدام. رجل يحمل سلة أدوات. ضاق الدرج فجأة، فأزاح آدم يده عن الجدار ليفسح له. مرّ الرجل وصعد. حين نظر آدم إلى الجدار من جديد، وجد الخط الأبيض كما هو.

رفع كفه أمام وجهه. كانت الثنيات الصغيرة عند مفاصل أصابعه واضحة. رأى الحافة الرقيقة للظفر، والظل الذي تصنعه فوق الجلد. ثنى إصبعه وبسطه. لم يكن قد افتقد هذه التفاصيل حين غابت؛ الآن ظل يتأملها حتى كادت امرأة صاعدة خلفه تصطدم به.

«الطريق أوسع في الأعلى.»

اعتذر آدم وصعد.

انفرج الجداران عند آخر الدرجات، ووجد ما سمع اسمه من قبل، القلعة...

وقف في ساحة، وعلى امتداد البصر مدينة من الحجر الفاتح داخل فراغ هائل يضيئه الذهب. أروقة فوق أروقة، وسلالم تنحني حول أبراج جوفاء يرى من خلالها ساحات أعمق. عبرت جسور رفيعة بين المستويات، وحملت على جانبيها أصصاً صغيرة تتدلى منها أوراق نحاسية اللون. كانت الأوراق ساكنة، لكن الضوء يتحرك في عروقها، يصعد من الساق إلى الأطراف ثم يخفت.

لم يستطع أن يحدد من أين يأتي النور. تجمع تحت القباب، واستقر على حواف الشرفات، ودخل الغرف من فتحات ضيقة في أعالي الجدران. عند قدميه، انقسم لون الأرض إلى درجات من العسل والعاج والبني. احتاج لحظة ليفهم أن المساحات البنية ظلال.

ظلال لها حواف دقيقة.

على الجانب الآخر من الساحة، كانت امرأة تنفض بساطاً فوق حاجز حجري. ارتفعت منه ذرات صغيرة، اتسعت في الضوء كغيمة، ثم انجذبت إلى نقش عند قاعدة الحاجز واختفت فيه. ظلت المرأة تضرب البساط حتى ظهر لون أحمر عميق في وسطه.

وصلت إلى آدم رائحة الخشب المصقول.

تبعها إلى باب مفتوح، حيث جلس رجل يصلح ظهر كرسي. أمام الرجل كرسيان مكتملان، وعلى ركبته الثالث. كان يمرر راحته على خشبة قصيرة حتى يطابق انحناؤها انحناء الخشبتين الأخريين. رفعها إلى مستوى عينه، زم شفتيه، ثم بدأ من جديد.

أراد آدم أن يتوقف عند كل باب.

من مكان عالٍ فوق القباب، جاءت نغمة.

ردّت عليها نغمة من شرفة أدنى، ثم ثالثة من برج بعيد. انتقلت النغمة من مستوى إلى مستوى حتى نزلت إلى الساحة.

توقفت المرأة عن نفض البساط. رفع صانع الكراسي يده عن الخشبة. على الجسور، وفي الشرفات، وعند أبواب الأروقة، استدار الناس نحو جهة واحدة.

استدار آدم معهم.

عند طرف المدينة، حيث يرقّ الذهب، كان حيّ لم يكتمل. أبراج بلا قباب، وأروقة مفتوحة على الفراغ. والطريق إليه جسر عريض لم يكتمل.

على الطرف المقطوع منه، وقف ناس ينظرون إلى الهوة أمامهم. ميز آدم بعضهم. كانوا في الصف الذهبي عند المشاعات قبل قليل.

جاءت النغمة مرة أخيرة.

ومال الناس.

على كل مستوى، في اللحظة نفسها، مالت الأكتاف نحو الحي. بقي كل واحد في موضعه. آلاف الأكتاف، تميل كما تميل سنابل حقل تحت ريح واحدة.

من الطرف المقطوع للجسر خرج حجر.

قطعة، ثم التي بعدها. امتدت القطع في الفراغ نحو الحي، كل واحدة تستند إلى التي قبلها. سمع آدم الحجر يلتقي بالحجر، طرقة بعد طرقة، حتى بلغ الجسر الجهة الأخرى واستقر.

عبر الواقفون على طرفه. أولهم ببطء، يختبر الحجر بقدمه. ثم أسرع الذين خلفه.

استقام الناس في الساحة. عادت المرأة إلى بساطها، وعاد صانع الكراسي إلى خشبته. انتهى الأمر عندهم.

كانت يد آدم على حاجز حجري. لم يعرف متى أمسكه.

ثم جاءت من الحي الجديد نغمتان.

متطابقتان.

ترك آدم الحاجز، وقدّر المسافة إلى الجسر: الساحة، ثم رُواقان، ثم الفراغ.

محدودة بمناطق.

ثبّت عينه على أول حجر في الجسر، وطوى.

وصل متجاوزاً موضعه بخطوة. تحت كعبه كانت حافة الجسر، وبعدها الهوّة.

رفع كفه. الثنيات عند مفاصله غابت لحظة، ثم عادت.

كان الحجر تحت قدميه جديداً. حوافه حادة، وسطحه لم يأخذ بعد لون الساحات القديمة.

عند آخر الجسر، على عتبة الحي الجديد، كانت امرأة تتردد. تحمل في حضنها رزمة قماش، وكلما أحكمت قبضتها غاصت أصابعها في القماش وخرجت من الجهة الأخرى. رفعَت قدمها إلى الحجر ثم أعادتها إلى الجسر خلفها.

رأى آدم جابي واقفاً إلى جانب العتبة. بدا شعره الثلجي أوضح هنا، ورأى حول عينيه خطوطاً دقيقة لم يلحظها من قبل. حين مالت المرأة إلى الأمام، وضع يده على كتفها. استقر القماش بين ذراعيها، وخطت فوق العتبة.

وقفت تنظر إلى أصابعها. صارت فوق القماش، لا تنفذ منه.

«شكراً.»

لوح جابي بيده. بقيت المرأة لحظة في موضعها، ثم لحقت برجل كان ينتظرها داخل الحي. أبطأ الرجل حتى صارا يمشيان جنباً إلى جنب.

أومأ آدم لجابي وهو يمر. رأى الشق في ساعده، رفيعاً وسط هذا الوضوح كله.

من داخل الحي جاءت النغمتان مرة أخرى.

أسرع آدم.

قاده رواق قصير إلى فناء مستطيل، تتوزع حوله أبواب متشابهة. فوق ثلاثة من جوانبه امتد سقف مقوس تحمله أعمدة قصيرة. الجانب الرابع مكشوف على الفراغ، ومنه دخل ضوء أبيض جعل الأبواب في ذلك الجانب باهتة وصعبة التمييز.

على البلاط، تحت الجانب المكشوف، رصّ البناؤون خمسة أحجار كبيرة مقوسة، طول كل واحد منها طول رجلين. عند كل حجر وقف أربعة أو خمسة، ينظرون إلى أعلى، حيث سيستقر.

جلس الصغير على درجة أمام أحد الأبواب الباهتة، وبجواره سلة فيها قطع صفراء تشبه الطباشير. كان يناول قطعة لكل من يمر. يأخذها العامل، ويرسم بها دائرة على الحجر، في الموضع الذي سيضع فيه كفه.

توقف آدم عند مدخل الفناء.

كان الصغير يرفع وجهه إلى الناس. يتابعهم بعينيه، ويمد يده بالقطعة قبل أن يطلبها القادم. كان يضع القطع القصيرة في جانب من السلة والطويلة في الجانب الآخر. سقطت منه واحدة، فانحنى وأعادها إلى موضعها.

ناداه آدم.

نظر الصغير إليه، ثم فتش بين القطع الطويلة واختار له واحدة.

«لم يبق مكان إلا عند الحجر الأخير.»

أخذ آدم القطعة، وهو ما يزال ينظر إلى فمه.

«صرت تتكلم.»

«نعم. ينادونني هنا تويست.»

«منذ متى أنت هنا؟»

فكّر تويست. «مررت بسبع دورات.»

ثم أشار إلى الحجر الخامس، أقرب الأحجار إلى الباب الذي يجلس عنده.

«هناك. قبل أن يبدأوا.»

عند الحجر الخامس وقف عامل نحيل ورجلان آخران. ومن بين الأحجار اقتربت امرأة طويلة، تربط جديلتها خلف رأسها كيلا تنسدل على وجهها حين ترفعه.

قالت: «ستعمل معنا؟»

«جئت لأرى تويست.»

«يمكنك أن تراه من هنا.» أشارت إلى الحجر الخامس. «ونحتاج واحداً عند هذا الحجر.»

رفع آدم القطعة الصفراء.

«ماذا أفعل؟»

«ارسم دائرتك، وضع كفك فيها. حين تسمع النغمة الأولى، استعد. وحين تسمع الثانية، مِل مع الباقين.»

«فقط؟»

«الحجر ثقيل على من يرفعه وحده.»

نظر آدم إلى الحجر. طن ونصف على الأقل. أربعة رجال. زاوية الرفع… ثم انتبه إلى أن البنّاءة تنتظره، فرسم دائرته.

انفتح الباب الذي جلس عنده تويست، فتنحّى بسلته. خرجت عجوز تسند إلى كتفها لوحاً عريضاً. كان الضوء الأبيض يجعل جانب وجهها يكاد يختفي.

قالت للبنّاءة: «الفتحة عالية جداً.»

نظر آدم إلى الحجر الخامس. قرب طرفه الأعلى، رسمت البنّاءة مستطيلاً صغيراً بالطباشير: موضع النافذة.

«مثل فتحات بقية الأقواس»، قالت البنّاءة.

«أنا لا أعيش في بقية الأقواس. أريد أن أرى الساحة وأنا جالسة.»

انحنى العامل النحيل على الحجر، ومسح المستطيل بكمه، ورسمه من جديد أسفل منه بشبر.

«يمكن أن ننزلها إلى هنا.»

طرقت البنّاءة الحجر بمفصل إصبعها تحت المستطيل الجديد. خرج صوت أجوف قليلاً.

«هنا يرقّ الحجر فوق الباب. هذا القوس لم نجربه. القوس الآخر قائم أمامنا.»

قال العامل: «أعرف. لكنني أظن أن هذا سيصمد أيضاً.»

«هل نستطيع أن ننهيه الآن؟» سألت العجوز. غيرت موضع اللوح على كتفها، فاهتز الباب وراءها حتى اختفى مقبضه. اتجهت إلى الباب وأسندت اللوح إلى أعلى إطاره. عاد المقبض إلى الظهور.

سألها آدم عن اللوح.

«أضعه فوق الباب كي أعرف أي باب هو. منذ الطوفان، كلما ابتعدت عنه اختلط عليّ بالذي يليه.»

نظر آدم إلى صف الأبواب الباهتة. فوق كل واحد منها مساحة فارغة، وفي آخر الصف بدأ الحائط نفسه يضيع في الضوء.

وقف العامل النحيل، ونفض الطباشير عن ركبته.

«نبني القوس الذي نعرفه الآن. سأجرب الفتحة المنخفضة في الفناء الصغير، ثم أعود إليك.»

قالت العجوز: «لا تنس.»

كتب العامل علامة على طرف اللوح المسند إلى الباب. رفعت العجوز رأسها تتفحص العلامة، ثم تراجعت إلى عتبة غرفتها.

أعاد العامل رسم المستطيل في موضعه الأول، ووقف بجوار آدم.

سأله آدم: «هل اقتنعت بأن الفتحة لا تصلح؟»

«ما زلت أظن أنها تصلح.» مسح الرجل الغبار عن أصابعه. «لكنها تحتاج سقفاً قبل أن أثبت أنني محق.»

صعد تويست على درجته، ورفع وجهه.

أطلق نغمة.

وضع العمال عند الحجر الأول أكفهم في دوائرهم.

أطلقها مرة ثانية.

مالوا.

ارتفع الحجر عن البلاط، هادئاً، وصعد في خط مستقيم حتى بلغ طرف الجانب المكشوف، واستقر هناك فوق العمود القصير. رفع العمال أيديهم معه وهو يصعد، وأبقوها مرفوعة نحوه.

نغمتان. الحجر الثاني. استقر فوق الأول.

نغمتان. الثالث.

بين العمال عند الحجر الرابع كان رجل مسن، أبطأهم في رفع يده. انتظره تويست قبل النغمة الثانية. صعد الحجر الرابع، واستقر.

بقي حجر آدم.

وضع كفه في دائرته. كان الحجر دافئاً، مثل جدار الدرج.

جاءت النغمة الأولى.

حين يرتفع، يجب أن أدفع طرفي أولاً، كي لا يصطدم بالرابع.

جاءت الثانية.

دفع آدم.

قفز طرف الحجر الذي تحت يده، وبقي الطرف الآخر ثقيلاً. صعد الحجر مائلاً. تحت الطرف الثقيل وضع العامل النحيل كتفه، وارتجفت ركبتاه. احتك الحجر بالحجر الرابع، فتساقط غبار أبيض على رؤوسهم.

قالت البنّاءة: «اتركوه.»

رفع العمال أكفهم معاً. نزل الحجر ببطء، واستقر على البلاط في موضعه.

قال آدم: «أفسدتُها.»

مسحت البنّاءة أثر طباشير عن خدها.

«حاولنا قبل أن تأتي. سنحاول مرة أخرى.»

نزل تويست عن درجته، ووقف إلى جانب آدم.

«لا تدفع. مِل معنا حين تسمع الثانية. سأريك.»

وضع كفه الصغيرة بجوار كف آدم، في الدائرة نفسها. ثم مال ببطء، بكتفه كله، نحو الحجر، كما مال الناس في الساحة.

مال آدم معه.

«هكذا.»

عاد تويست إلى درجته، وأطلق النغمة الأولى.

وضع آدم كفه في دائرته. على يمينه كتف العامل النحيل، وعلى يساره كتف رجل لا يعرف اسمه.

جاءت الثانية.

مال.

شعر بالكتفين على جانبيه يميلان معه في اللحظة نفسها، ثم بالحجر يترك البلاط تحت كفه.

صعد الحجر مستقيماً. اقترب من الرابع، ولمسه، ودخل في موضعه. على امتداد القوس ظهرت تجاويف صغيرة عند الوصلات، ثم انفتحت كل واحدة منها كورقة مطوية، وتركت في الحجر نقشاً يشبه سعفاً دقيقاً.

تقدم الظل على البلاط حتى وصل إلى قدمي العجوز.

انحسر الضوء عن وجهها.

رأى آدم حاجبيها، وخطاً غائراً عند فمها، وخصلة بيضاء خرجت من غطاء رأسها. خلفها استقر الباب في الحائط، وظهر مقبضه كاملاً. رفعت يدها إليه، أدارت المقبض، ثم تركته وأنزلت اللوح عن إطار الباب.

أمال العامل النحيل رأسه إلى الخلف، يتفحص النافذة العالية. كانت مستطيلة ضيقة، يمر منها عمود ضوء رقيق يقع عند قدم الباب.

قالت العجوز: «صار لي ظل.»

وضعت اللوح جانباً. دخلت غرفتها وعادت تحمل مقعداً، جرته إلى الظل، حيث وقع عمود الضوء عند قدميها، وجلست.

«شكراً لكم.»

كان تويست قد نزل إلى سلته. أخذ يجمع قطع الطباشير التي تركها العاملون على الأرض، ويفصل الطويلة عن القصيرة.

ظل آدم في موضعه، ويده ما تزال مرفوعة نحو حجره. فوقه، اتصل السقف الجديد بسقوف الأروقة الثلاثة.

أعلنت البنّاءة الراحة، لكن العامل المسن أبقى يده مرفوعة. احتاج إلى وقت أطول من الجميع لينزلها.

همَّ آدم بأن ينزل يده. أشار إليه العامل النحيل أن ينتظر.

على امتداد القوس، بدأت دوائر الطباشير تخفت، واحدة بعد أخرى. انطفأت آخرها فوق العامل المسن، فأنزل ذراعه. تبعته بقية الأذرع في اللحظة نفسها، وخرجت البنّاءة من تحت القوس.

بقي الحجر فوقهم.

صار للفناء ضوء واحد هادئ. من شرفة أعلى جاء صوت أوانٍ تتحرك. انتبه آدم إلى همهمة بعيدة، ثم إلى أصوات أقرب: شخص يسأل عن كرسي، والعجوز تدعو العامل المسن ليجلس قربها، والبنّاءة تحاول إخراج غبار الحجر من جديلتها، متذمرة: «هل سيعلق بي هذا الغبار للأبد؟»

عند طرف الفناء كان حوض حجري ضحل، فيه ماء صاف. انحنى العامل النحيل وغسل يديه. دار الغبار الأصفر والأبيض فوق الماء، ثم استقر في القاع.

مد آدم أصابعه إلى الحوض.

برد.

سحبها سريعاً، ثم أعادها. انسابت بين مفاصلها مقاومة يعرفها، خفيفة ودقيقة، وارتفعت حولها دوائر وصلت إلى الحافة وردتها إلى الداخل. ظل يراقب الدوائر وهي تتقاطع.

قال العامل النحيل: «اتركه يجف على يديك. يذهب وحده.»

رفع آدم كفيه. بقي فيهما البرد حتى بعد أن اختفى الماء.

جلس على حافة الحوض. من هنا رأى، عبر الرواق القصير، الجسر الجديد، وعليه شخصان توقفا في منتصفه ليتحدثا. أسند أحدهما مرفقه إلى الحاجز. لم يكن في وقفته استعجال.

تخيل آدم أنه يعرف الطريق إلى ذلك الجسر. أن يكون له وقت يعبره فيه، ويقف، ثم يعود إلى باب يعرف أنه بابه.

ظل ينظر حتى افترق الاثنان، ومضى كل منهما إلى جهته.

حين التفت، كان رجل يقف تحت القوس الجديد.

للحظة حسبه آدم جزءاً من العمود؛ كان من فرط سكونه يبدو منحوتاً من الحجر نفسه. خطوط الحجر تلتقي في انتظام صارم، وتقود العين إلى كتفيه، والنقش فوق رأسه يؤطّر وقفته. ملامحه حادة ومستريحة، ووجهه مضاءٌ من جانبيه بهالة ذهبية خافتة. وتحت قدميه ظلّ، لكن القدمين لا تلمسانه.

تأمل آدم ذلك الفراغ حتى رفع الرجل عينيه إليه.

«أنا آدم.»

«سيراف.»

نظر سيراف إلى القوس، ثم إلى الباب الذي استقر تحته. رفعت العجوز يدها من مقعدها، تشير إلى النافذة.

«ما زالت عالية.»

قال العامل النحيل من عند الحوض: «سأجرب الأخرى.»

أجاب سيراف: «الفناء الصغير فارغ.»

أومأ العامل للعجوز، فعادت تستند إلى مقعدها.

قال سيراف لآدم: «هذه أول مرة تحمل فيها سقفاً؟»

«لم أكن أظن أن الأسقف تُحمل.»

«الحجر الذي عند الباب أصعب. له حافة مكشوفة.»

نظر آدم إلى موضع الحجر. شعر برغبة في أن يخبره أن تويست ساعده، لكنه سأل بدلاً من ذلك:

«كيف يبقى كل هذا؟»

ثم نقل آدم عينيه إلى الجسر الجديد.

«في المرفأ، أحياناً أضطر أن أنظر إلى الشيء حتى أتأكد أنه ما زال هنا.»

انتظر سيراف حتى عاد إليه نظر آدم.

«هنا يعرف الذين بجوارك الشيء نفسه. حين تتعب، يظل لهم.»

«وإن رأيته مختلفاً؟»

«مال حجرك اليوم.»

تذكر آدم الحجر يصعد مائلاً، وكتف العامل النحيل تحت طرفه الثقيل.

«ثم مِلتُ معهم.»

«وصار سقفاً تستطيع أن تستريح تحته.»

نظر آدم إلى الحوض. كان الغبار في قاعه قد استقر كله.

سأله سيراف: «بماذا تؤمن؟»

كانت العجوز قد أغمضت عينيها على المقعد. بجوارها جلس العامل المسن، يحرك أصابعه واحدة بعد أخرى.

قال آدم: «أن من يعيش في الغرفة له رأي في شكل نافذتها.»

ظهرت على وجه سيراف ابتسامة رقيقة.

«وقد سمعناه.»

«ولم تحصل على النافذة التي تريدها.»

«وحصلت على غرفة يمكنها أن تنتظر فيها.»

«تنتظر ماذا؟»

«صانع الكراسي في الساحة. رأيته؟»

«معه كرسيان مكتملان.»

«أحدهما كان لرجل سكن قرب الساحة.»

نظر سيراف عبر الرواق القصير، نحو الجسر، كأنه يرى الساحة من مكانه.

«إحدى قوائمه كانت أقصر من الثلاث. أصلحها الرجل مرات. يجلس، فيهتز، فينزل ويقيسها من جديد. صار من في الغرف المجاورة يعرفون الصوت.»

«وضبطها؟»

«في آخر مرة جلس عليه، لم يهتز.»

بقيت عينا سيراف على الجسر.

«ثم لم يبق في الغرفة إلا الكرسي.»

«إلى أين ذهب؟»

«لا أحد يعرف.»

سكت آدم. رأى العامل النحيل يعبر الفناء وقطعة الطباشير ما تزال في يده. توقف عند العجوز وأشار إلى العلامة التي كتبها على لوحها قبل أن يمضي.

قال سيراف: «وماذا فعلت حين كان إيمانك مكلفاً؟»

عاد آدم بعينه إلى الدرجة حيث جلس تويست. كانت السلة إلى جواره، وهو يمسح عن البلاط دائرة صفراء براحة يده.

«أرسلت واحداً إلى مكان لم يرد البقاء فيه.»

انتظر سيراف.

«كان هناك آخرون سيسقطون.»

لم يقل سيراف شيئاً. التفت آدم إليه.

ثم قال آدم أخيراً: «جئت لأراه.»

أومأ سيراف مرة واحدة.

«رآك تميل معه.»

حين نهض تويست بسلته، تبعه آدم إلى ظل الرواق. توقف عند رجل يعرف آدم وجهه: هو الذي أمسكه من كتفيه وأعاده إلى السقف في الطوفان. كان الرجل يثبت قطعاً صغيرة من الحجر في تجاويف الحائط، وينحني بين حين وآخر ليرد على شيء يقوله.

رأى آدم على إحدى القطع ثلاثة رسوم صغيرة. في الأعلى هيئة طفل منكمش على نفسه، كما وصل. في الوسط باب. وفي الأسفل يدان تحملان قطعة طباشير.

«هذا سجله؟»

ناول الرجل القطعة لآدم.

«كيف جاء، وأين موضعه، وما يستطيع أن يفعله. إن جاء أحد يبحث عنه، نجده.»

امتدت في الحائط صفوف من قطع مثلها، لكل ساكن قطعة. مرّ آدم بإصبعه على قطعة تويست. عند فم الهيئة المنكمشة وجد خطين قصيرين متساويين: نغمتاه، كما صارتا.

قال للرجل: «يوم أعدناه إلى السقف، سألتك إن كانت نغمته الأخرى ستعود. هل تذكر؟»

«أذكر.»

«أين سؤالي هنا؟»

لم يجب الرجل. مدّ يده إلى تجويف فارغ في الحائط، ومسح غباراً علق بحافته.

قلّب آدم القطعة بين أصابعه. فيها ما يحتاجه أي أحد ليجد تويست، ويطلب منه عملاً. ولم يكن فيها أن تويست أراد يوماً شيئاً آخر.

رفع تويست رأسه إلى الحجر في يد آدم، وأشار إلى الرسم الأخير.

«هذه يدي.»

فتح كفه بجوار الرسم، ثم قبضها وفتحها مرة أخرى، كمن يجرّب شيئاً جديداً.

«كنت لا أستطيع أن أمسك شيئاً.»

ظل آدم ينظر إلى اليد المفتوحة. تذكرها يوم الطوفان، ممدودة إلى الأرض، تحاول أن تمسك شيئاً تركه خلفه.

أعاد القطعة إلى الرجل، وانحنى قليلاً نحو تويست.

«موكا ينتظرني عند الحبل. هو الذي قال إنك تريد النغمة الأخرى.»

نظر تويست إلى يده، ثم إلى الرواق المؤدي إلى الجسر. من هذا الموضع أمكن رؤية طرف الجسر، وبعده الساحة القديمة.

«هل يعرفني؟»

«يعرف ما أردته.»

خطا تويست خطوة نحو الرواق، ثم وقف. أطلق نغمة قصيرة، وتبعها بالثانية. انتظر آدم الفرق، وهو يعرف ما سيسمعه.

جاء الصوتان متطابقين.

من داخل الفناء ردت نغمة أخرى. استدار تويست نحوها.

قال لآدم: «ينادونني.»

ومضى.

عاد آدم إلى الفناء. عند الحوض، توقفت البنّاءة لتجمع طباشيرها. أشارت إليه حين رأته.

«غداً نبني البرج الذي عند آخر الجسر. صار عندك قوس جيد.»

نظر آدم عبر الرواق. رأى البرج الناقص عند طرف الجسر الجديد، بلا قبة، مفتوحاً على الذهب. خطوة إلى الأمام جعلته تحت القوس الذي بناه. بردت يداه قليلاً، وعاد إليه إحساس الماء بين أصابعه.

كاد يسأل عند أي حجر سيقف.

ارجع وأنت ما زلت أنت.

قالها موكا عند حدّ المشاعات، من غير أن يلتفت.

من موضعه، رأى الرجل عند الحائط يعيد قطعة تويست إلى تجويفها. دخلت بسهولة، واستوى وجهها مع بقية القطع.

تراجع آدم خطوة.

«ليس غداً.»

أعادت البنّاءة الطباشير إلى سلّتها.

«إن عدت، تجدنا هنا.»

عند طرف الجسر الجديد كان مايك واقفاً مع جابي. أمامهما عامل يشير إلى شق في أول حجر من الجسر. انحنى الضباب حول مايك عند الحد، وازدادت الحافة تحته وضوحاً. انتظر حتى انتهى العامل من كلامه، ثم أشار إليه بموضع أقرب إلى الحاجز.

عبر آدم الجسر، ثم الساحة. عند أول درجة من الدرج النازل، وجد مايك إلى جواره.

مضيا عدة درجات قبل أن يتكلم أحدهما. تلاشى وقع القدمين أولاً. ثم فقد الجدار حباته الدقيقة، وصار آدم يلمس سطحاً يعرف أنه حجر من غير أن يجد فيه شيئاً يخدشه.

نظر إلى كفه. ما زال يستطيع فتحها، لكن الخطوط الصغيرة عند المفاصل صارت أقل وضوحاً.

قال مايك: «كنت هناك طويلاً.»

«لم أشعر بذلك.»

تحت الطريق، ظهر الرصيف. لم يميز آدم الوعاء بعد، لكنه رأى موكا جالساً في موضعه عند الحبل.

«سيسألني ماذا رأيت.»

قال مايك: «قل الحقيقة.»

ظل آدم ينظر إلى يده.

«أي حقيقة؟»

«أنك شعرت بالإعجاب. وأنك خفت. وأن الإعجاب والخوف كانا في الاتجاه نفسه.»

***