SCENE: SCENE_04

ما لا يخص أحداً

ما لا يخص أحداً
0:0041:04

الفصل الرابع

مشهد 4: ما لا يخص أحداً

تبعاه قبل أن يختفي.

رفع الشارد الرمادي قدمه، فتكونت تحتها مساحة تكفيه وحده. ما إن نقل وزنه إلى الخطوة التالية حتى عادت المساحة ضباباً.

لا طريق يمتد خلفه. لا أثر يبقى.

أسرع آدم إلى الموضع التالي. وصل متأخراً، فغاصت قدمه حتى الكاحل.

جذبه موكا من كمّه.

«هل تنوي اختبار كل سطح بالسقوط؟»

أخرج آدم قدمه.

«كنت أتأكد أن القاعدة ما زالت تعمل.»

«تعمل.»

«شكراً.»

«العفو. تكلفة الاستشارة لاحقاً.»

كان موكا يحمل وعاء ليان المكسور بذراعه الأخرى. ارتطم المفتاح بجدار الوعاء مع كل قفزة، وأصدر صوتاً صغيراً لم يكن معدنياً تماماً، بل أثراً لصوت معدن قديم.

فتح آدم بصيرته.

رأى قبضة موكا على كمّه. رأى الخيط بينهما، والوعاء، والمفتاح.

أما الشارد، فلم يرَ ما بداخله.

ظهر كحد مغلق يتحرك بكامله. لا تفاصيل تتسرب منه، ولا خيط يمتد وراءه، ولا شيء يمكن لبصيرة آدم أن تمسكه.

أغلقها.

«لا أستطيع تتبعه بالعين الأخرى.»

قال موكا:

«استعمل العين العادية. اخترعوها لهذا النوع من المشكلات.»

واصل الشارد التقدم.

كلما ظهرت له مساحة، حاول آدم وموكا بلوغها قبل أن تزول. لم يقتربا منه، لكنهما لم يفقداه.

قلت تفاصيل المشاعات حولهم. لم تختفِ الأشياء؛ لم تعد تتكون من الأصل. لا حبال، ولا مقاعد، ولا آثار للخط الذي تركوه خلفهم.

الضباب فقط.

قال آدم:

«هل رأيت مايك أو راف أثناء الهجوم؟»

«لا.»

«ولا أنا.»

قال موكا:

«قال لي سليم من قبل إنهم لا يظهرون حين تحتاج إليهم.»

انتظر آدم بقية الجملة.

أضاف موكا:

«لذلك اعتدت ألا أحتاج إلى أحد.»

وصلت الفكرة إلى آدم. لم يعقب.

رفع الشارد قدمه.

هذه المرة لم تتكون أمامه مساحة أخرى.

اختفى.

توقف آدم وموكا عند آخر موضع استطاعا بلوغه.

قال موكا:

«أضعناه.»

جاءهما صوتان من الأمام.

«صينيتك فوق حدي.»

«لم أحركها.»

«إذن أنا أتخيل النحاس على قدمي؟»

انفتح الضباب قليلاً.

عرف آدم ما يفعله وعيه بالأماكن التي لا تشبه شيئاً: يكسوها بأقرب صورة يستطيع احتمالها.

ظهرت أمامه استراحة على طريق طويل، من تلك التي يجلس فيها غرباء متجاورون، لكل واحد منهم طاولته ووجهته.

لكن لا طريق هنا. ولا نادل. ولا أحد ينتظر.

لم تكن هناك قاعة واحدة. كانت مساحات منفصلة، لكل واحدة أرضها وأثاثها وضوؤها. لا سقف يجمعها، ولا مستوى واحداً تتفق عليه.

عند طرف إحدى المساحات وقفت امرأة خلف باب كامل: إطار وعتبة ومقبض نحاسي، من دون جدار حوله. بدا الباب كأنه الشيء الوحيد الذي سمحت له بالبقاء قريباً منها.

أمامها جلس رجل نحيل، حليق الرأس، وأمامه قدحان. كان يشرب من الأول، بينما يقف الثاني خلف خط لا تصل إليه يده.

وبينهما وقف رجل عريض الكتفين يحمل صينية مستديرة وثلاثة أكواب. كان نصف الصينية داخل مساحته، والنصف الآخر فوق حد الرجل النحيل.

قال الرجل النحيل:

«اسحبها.»

«أنت تمسك طرفها.»

«لا ألمسها.»

«وهذا أسوأ. لو كنت تلمسها، لوجدنا شخصاً نلومه.»

فتحت المرأة بابها.

مر المصراع بين الصينية والطاولة، وفصل المساحتين. عادت الصينية كاملة إلى صاحبها.

قالت:

«انتهى.»

رفع صاحب الصينية أحد الأكواب ليتأكد أنه لم ينكسر.

«لم ينتهِ. ملعقتي عنده.»

نظر الرجل النحيل إلى قدحه.

كانت ملعقة صغيرة تدور في داخله.

قال:

«هي في قدحي.»

«كانت فوق صينيتي.»

«الآن هي في قدحي.»

«هذا ليس انتقال ملكية.»

نظر صاحب الصينية إلى آدم وموكا.

«هل رأيتما؟ لهذا لا أقدم شيئاً لأحد.»

سأله موكا:

«أنت النادل؟»

رفع الرجل الصينية إلى صدره كأن السؤال إهانة.

«لا.»

«معك صينية وثلاثة أكواب.»

نظر إلى الوعاء في يد موكا.

«وأنت تحمل وعاءً. هل أنت خزانة؟»

تأمل موكا الوعاء.

«اعتراض مقبول.»

في مساحات أخرى جلس رجل على قطعة من عارضة سفينة، كتفه الأيسر باهت كأن الضوء مر خلاله وترك جزءاً منه خلفه. وعلى ثلاث درجات لا تؤدي إلى مكان جلس شخص مطوي الساقين.

وعند الحافة، رأى آدم صاحب الأشكال الهندسية.

عرفه فوراً.

دوائر ومثلثات وخطوط قصيرة تدور حوله، تختبر المسافات، ثم تعيد ترتيب نفسها. كان الرجل منهمكاً في قياس شيء لا يراه سواه.

أما الشارد الذي تبعاه آدم وموكا، فكان قد جلس عند الطرف وعاد إلى شأنه، كأن وصولهما لا يعنيه.

قال موكا:

«وجدناك.»

لم يرد الشارد.

خطا موكا نحوه.

تكونت دائرة تحت قدمه، ومساحة أخرى تحت آدم. بدأ الفراغ بينهما يتسع.

شد موكا كم آدم.

مالت المساحتان نحو بعضهما.

اهتزت المنضدة الحجرية.

فتح باب المرأة من تلقاء نفسه وارتد المصراع نحو كتفها. تحرك القدح الثاني مقدار إصبع، ثم توقف. مالت إحدى درجات الرجل المطوي، قبل أن تعود إلى موضعها.

قال صاحب الصينية:

«عشر لحظات بلا ضيوف. هل هذا طلب مبالغ فيه؟»

قال رجل العارضة:

«توقفا.»

توقف آدم.

ظل الفراغ يتسع. كلما شد موكا الكم، تحركت الحدود المحيطة بهما.

قالت المرأة:

«اتركه.»

«لا.»

«المكان يفصل الداخلين.»

قال موكا:

«نحن لم نأتِ منفصلين.»

قال رجل العارضة:

«دخلتما بقدمين.»

نظر إلى الفراغ المضطرب بينهما.

«المكان لا يعرف قدماً ثالثة.»

تحركت الأشكال الهندسية.

دفع صاحبها مثلثاً تحت آدم، ودائرة تحت موكا.

استقرت المساحتان.

شد موكا الكم.

امتد ضلع من المثلث إلى الدائرة. انبعجت الدائرة، ومال المثلث. تحرك القدح الثاني مرة أخرى، ولم يعد تماماً إلى مكانه.

أعاد صاحب الأشكال الشكلين إلى وضعهما الأول.

حدث الشيء نفسه.

هذه المرة انكسر ضلع المثلث في الهواء وذاب.

رفع الرجل رأسه إلى يد موكا، كما لو أنه رأى خطأً لم تسمح به حساباته.

قالت المرأة:

«لن يستقر المكان وأنتما متصلان.»

قال موكا:

«إذن لن يستقر.»

اقترب حد دائرته من مساحة المرأة. اندفع الباب إلى الداخل واصطدم بكتفها.

بدأ القدح الثاني ينزلق نحوها.

مد الرجل النحيل يده إليه.

قالت المرأة:

«لا تلمسه. دخل عندي.»

«هو لي.»

«لكنه عندي الآن.»

قال آدم:

«نحن نفعل هذا؟»

أجابه رجل العارضة:

«تدخلان كشيء واحد. هذا المكان يحمل الأشياء المستقلة فقط.»

رسم صاحب الأشكال مساحة ثالثة بينهما، ضيقة، لا تخص أياً منهما.

تراجعت المرأة ببابها. سحب الرجل النحيل حد مساحته. رفع رجل العارضة طرف الخشب.

فتحوا بينهم ممراً صغيراً لا يخص أحداً.

قال رجل العارضة:

«قفَا هنا. ولا تجذبا المكان أكثر.»

دخلا.

ظلّت يد موكا على كم آدم.

أغلق صاحب الأشكال المثلث والدائرة، لكنه ترك خطاً قصيراً بين موضعيهما.

بقي الخط منحنياً.

نظر إليه الرجل، ولم يمحه.

رفع موكا وعاء ليان.

تحرك المفتاح داخله.

نظر الشارد إليه أخيراً.

قال موكا:

«كنت بجانب ليان حين اختفى.»

«كنت في الموضع نفسه.»

«هل أخذته؟»

«لا.»

«هل عبر معك؟»

«لا أعرف.»

اقترب موكا خطوة، فتوقف عند حد الممر.

«كيف لا تعرف؟ كنت بجانبه.»

قال الشارد:

«كنت داخل خطوتي.»

«وكان أمامك.»

«ربما.»

«رأيته أم لم تره؟»

«لم أره.»

قال آدم:

«والممر الذي ظهر بعدك كان نظيفاً.»

«الممر لي. فتحته لنفسي.»

قالت المرأة:

«هذا يثبت أنه فتح موضعاً. لا يثبت أن صاحبكم استخدمه.»

وأضاف رجل العارضة:

«وغياب الأثر لا يثبت أنه سلك طريقاً رمادياً.»

قال موكا:

«في المرفأ كتبوا: مفقود.»

«لأنهم لم يجدوه في الأماكن التي يعرفون كيف يبحثون فيها.»

«هل الكلمة خطأ؟»

«لا.»

«إذن ماذا تضيفون إليها؟»

قال رجل العارضة:

«لا شيء.»

وقالت المرأة:

«ولا تنقص منها شيئاً. تعني أنهم لا يعرفون أين هو. هذا كل ما تعنيه.»

قال موكا:

«هذا أعرفه بنفسي.»

«إذن لا تحتاج إلى كلمة أفضل.»

نظر موكا إلى الشارد.

«إلى أين كنت ستذهب؟»

رفع الشارد عينيه إلى موضع أعمق في الضباب.

«إلى حيث كنت ذاهباً.»

«وأين هذا؟»

«خارج سؤالك.»

«اجعله داخل سؤالي.»

«لا أستطيع.»

«أم لا تريد؟»

«الاثنان.»

بدأ باب المرأة يرتجف.

حاولت إغلاقه، فتوقف المصراع قبل الإطار بمقدار إصبع. دفعته مرة أخرى، فأغلق، ثم عاد وانفتح بالمقدار نفسه.

راقب صاحب الأشكال الباب. تحركت خطوطه كلها نحو وسط المنطقة، ثم انحرفت عن نقطة لا يظهر فيها شيء.

قالت المرأة:

«عليكما أن تفترقا أو ترحلا.»

قال آدم:

«سنرحل عندما نعرف إن كان هناك طريق.»

«وجودكما يمنعني من إغلاق حدي.»

قال موكا:

«لحظات فقط.»

«أنت تطلب اللحظات من شيء لا يخصك.»

قال الرجل النحيل:

«افتحي لهما المسار، وينتهي الأمر.»

قالت المرأة:

«المسار لا يحمل اثنين.»

نظر موكا إليها.

«يحمل واحداً؟»

لم تجب.

خلف مساحة الشارد بدأت قطع أرض صغيرة تتكون واحدة بعد أخرى، متجهة إلى عمق الضباب.

قال موكا:

«هذا هو الطريق.»

قالت المرأة:

«طريق شخص واحد.»

«إلى أين؟»

«لا أعرف.»

«هل يمكن أن يصل إلى ليان؟»

«يمكن.»

قال آدم:

«ويمكن ألا يصل.»

نظر موكا إلى الطريق.

«سأذهب.»

أمسك آدم بذراعه.

تحركت الحدود كلها دفعة واحدة.

اندفعت دائرة موكا داخل الممر. فتح الباب على مصراعيه. تحرك القدح الثاني نحو وسط المنطقة. اهتزت العارضة، وانخفضت الدرجة العليا.

سقط وعاء ليان.

خرج المفتاح.

هبط في الفراغ بين المساحات.

«لا!»

انحنى موكا بكل وزنه. كاد يسقط في الشق.

أمسكه آدم وشده إلى الخلف.

قالت المرأة:

«لا يتحرك أحد.»

فتحت بابها.

لم تفتحه إلى داخل مساحتها. دفعت العتبة تحت المفتاح، ومدتها عبر الفراغ كجسر صغير.

قال رجل العارضة:

«ستتجاوزين حدك.»

«أراه.»

«اتركيه.»

قالت وهي تنظر إلى موكا:

«ليس لك.»

وصل المفتاح إلى العتبة.

دفعته أكثر.

التقط موكا المفتاح.

انشقت العتبة.

اهتز الباب كله. حاولت المرأة إغلاقه، فتوقف قبل الإطار بمقدار كف.

دفعته مرة أخرى.

لم يغلق.

قال صاحب الصينية:

«المفصل.»

قالت:

«أراه.»

وضعت يدها على المصراع وأبقته في مكانه بالقوة.

نهض الرجل النحيل.

نظر إلى قدحه الثاني، الذي ظل خلف الخط طوال الوقت.

عبر الحد وأخذه.

وضعه تحت الباب.

استقر المصراع فوقه، مفتوحاً بمقدار كف.

قالت المرأة:

«احتفظت به طويلاً.»

قال:

«ولهذا أعرف أنه يتحمل.»

قال صاحب الصينية:

«بدأ المكان كله يتصرف بطريقة مقلقة.»

قال موكا لآدم:

«اترك ذراعي.»

«لا.»

«المسار يغلق.»

«لا نعرف إلى أين يذهب.»

«ولا نعرف أين ذهب ليان.»

«هذا لا يجعل كل طريق طريقه.»

«ولا يجعل الوقوف هنا بحثاً.»

حاول موكا تحرير ذراعه.

اهتز حد الممر.

قالت المرأة:

«توقفا.»

خفض آدم صوته.

«قطعت إرسال اسمك حين ناديت ليان.»

«أعرف.»

«لو لم أقطعه، لوصلوا إليك.»

«أعرف.»

«إذن لماذا تقولها كأنني منعتك؟»

«لأنك قررت وحدك.»

توقف آدم.

قال موكا:

«والآن تمسك بي وتقرر وحدك مرة أخرى.»

«ماذا تريد مني أن أفعل؟»

«أن تتركني أختار.»

«حتى لو كان اختيارك أن تختفي؟»

«حتى لو كان اختياري أن أعرف.»

قال آدم:

«قد لا تعرف شيئاً.»

«وقد أعرف أنه لم يمر من هنا. هذا أكثر مما نملكه الآن.»

أشار صاحب الأشكال إلى الطريق.

قال للمرة الأولى:

«يستقر بمرجع واحد.»

سأله آدم:

«ماذا يعني ذلك؟»

دفع الرجل دائرة تحت موكا.

استقامت الخطوات.

ثم دفع مثلثاً تحت آدم.

تشعب الطريق واختفت أجزاؤه البعيدة.

قال:

«إن دخل واحد، بقي. إن دخلتما متصلين، أغلق.»

قال موكا:

«إذن أزل الاتصال.»

نظر الرجل إلى يد آدم.

«لا أستطيع.»

«لماذا؟»

«لأن الاتصال ليس في اليد.»

فتح آدم بصيرته.

رأى الخيط بينه وبين موكا. لم يبدأ عند الكم، ولا عند الذراع التي يمسكها. امتد أعمق من ذلك، وغيّر المساحات المحيطة بهما.

ورأى الطريق ينتظر.

إن ترك موكا وحده، استقامت الدائرة وامتدت الخطوات.

إن ظل الخيط بينهما، انحنى الطريق حتى يغلق.

أغلق آدم بصيرته.

ترك ذراع موكا.

استقام الطريق.

تكونت خطوة أمام موكا.

ثم ثانية.

نظر موكا إلى آدم.

قال آدم:

«لا أستطيع أن أقول إنك لن تذهب.»

«جيد.»

«ولا أستطيع أن أقول إن هذا طريق ليان.»

«لم أطلب ذلك.»

«لكنني أطلب شيئاً.»

«ماذا؟»

قال آدم:

«أنا خائف أن أفقدك.»

لم ينظر موكا إلى الطريق.

ظل ينظر إليه.

قال آدم:

«لم أمسكك لأنني أعرف الأفضل. أمسكك لأنني لا أريد أن أعود إلى المرفأ بوعاء آخر.»

نظر موكا إلى الوعاء المكسور.

تحرك المفتاح داخله.

«ولو كان ليان في نهاية الطريق؟»

«لا أعرف.»

«ولو أغلقناه الآن، ولم يظهر غيره؟»

«لا أعرف.»

«إذن ماذا تقدم لي غير خوفك؟»

قال آدم:

«نفسي.»

صمت موكا.

قال آدم:

«لا أقول إنها تكفي. ولا أقول إنها أهم من ليان. أقول إنني هنا، وإن دخولك سيجعلني لا أعرف إن كنت أبحث عنه أم عنك.»

تكونت خطوة ثالثة.

وضع موكا قدمه على الأولى.

استقرت.

تحرك القدح الثاني تحت الباب.

اهتز مقداراً صغيراً.

في الوقت نفسه انحنت خطوط صاحب الأشكال نحو المركز، ثم ارتدت عنه.

رفع الرجل رأسه.

قال:

«الممر اتصل بشيء.»

قال آدم:

«بماذا؟»

لم يجبه.

بدأت الصينية تتحرك.

في البداية انزلقت مقدار إصبع فوق يد صاحبها.

أعادها إلى مكانها.

تحركت مرة أخرى.

ثم تحركت الأكواب فوقها في اتجاه وسط المنطقة.

قال صاحب الصينية:

«لا.»

أمسكها بكلتا يديه.

تحركت منضدته معه.

انزلق القدح الأول من يد الرجل النحيل. تحركت عارضة السفينة. انخفضت الدرجة العليا مرة أخرى، ولم تعد إلى مكانها.

حاولت المرأة تثبيت بابها، فتحرك القدح الموضوع تحته نحو المركز.

قالت:

«الطريق فتح ممراً بين الحدود.»

قال صاحب الأشكال:

«إلى الموضع الفارغ.»

انزلقت الصينية أسرع.

ثبت صاحبها قدميه.

انزلق معها.

قال:

«قد أحتاج إلى مساعدة غير اجتماعية.»

أمسك رجل العارضة بطرف معطفه.

تحرك الاثنان.

أمسك الجالس على الدرجات بالعارضة.

مالت الدرجات كلها.

نظر موكا إليهم من فوق الخطوة الأولى.

قال:

«صنعتم سلسلة.»

قال صاحب الصينية:

«لم نصنع شيئاً.»

قال رجل العارضة، وهو يمسك معطفه:

«أنا أمسكك.»

«هذا احتجاز، لا تعاون.»

تحرك وعاء ليان.

انجذب المفتاح إلى حافته.

أمسكه موكا.

انزلقت قدم صاحب الصينية خارج مساحته.

تحركت الصينية أمامه، وسحبته نحو المركز.

قالت المرأة:

«موكا، إن نزلت عن الطريق سيغلق.»

كان الشارد يقف عند الخطوة الأخيرة.

خلفه ضباب لا يظهر ما فيه.

قال موكا:

«هل يمكن أن يكون ليان مر من هنا؟»

أجاب الشارد:

«يمكن.»

قال آدم:

«ويمكن ألا يكون.»

قال موكا:

«أعرف.»

أفلت رجل العارضة طرف المعطف.

اندفع صاحب الصينية إلى الأمام.

قفز موكا عن الطريق.

أمسك معصمه.

اختفت الخطوة الأولى.

ثم الثانية.

انغلق الطريق خلفه.

لم ينهر، ولم ينفجر. توقف فقط عن تقديم أرض جديدة، ثم محا ما كان قد قدمه.

شد موكا الرجل نحوه.

أمسك آدم بذراع موكا، وأمسك رجل العارضة بظهر صاحب الصينية. أعادوه إلى مساحته.

توقف انزلاق الأشياء.

بقي القدح الأول عند حافة المركز.

ركعت المرأة ومدت بابها نحوه، بينما دفع صاحب الأشكال خطاً تحته. أعاداه إلى الرجل النحيل.

قال صاحب الصينية، وهو ممدد فوق أرضه:

«للتسجيل، لم أطلب المساعدة.»

قال موكا:

«للتسجيل، لم أفكر.»

نظر الرجل إلى أكوابه.

وجد اثنين.

بحث عن الثالث.

قال:

«المشروخ ذهب.»

قال آدم:

«كان مشروخاً.»

رفع الرجل عينيه إليه.

«لهذا كنت أعرفه.»

نظر موكا إلى الطريق الذي اختفى.

ظل الشارد عند آخر موضع.

قال له:

«إن رأيت ليان، أخبره أننا نبحث عنه.»

فكر الشارد.

«إن رأيته.»

«أخبره.»

«إن سأل.»

رفع قدمه واختفى.

أعاد السكان حدودهم ببطء.

أصلح صاحب الأشكال دائرة مالت عن مكانها. رفع رجل العارضة الخشب إلى مستواه السابق. أعاد الجالس على الدرجات بناء الدرجة العليا، ثم جلس فوق الوسطى وكأن شيئاً لم يحدث.

كان صاحب الصينية يجمع ما بقي من أدواته.

قال موكا:

«أنتم لا تتعاونون، صحيح؟»

قال الرجل:

«أبداً.»

أشار موكا إلى رجل العارضة.

«كان يمسك معطفك.»

«كان يمنعني من المغادرة.»

قال رجل العارضة:

«كنت تسقط.»

«هذا تفسيرك.»

«وهذه أرضي التي كدت تسقط فوقها.»

قال صاحب الصينية:

«وهذا دليل آخر على أن الحدود فكرة ممتازة.»

قالت المرأة، وهي تفحص بابها:

«وفكرة لا تكفي دائماً.»

نظر إليها صاحب الصينية.

«بدأتِ تتحدثين كالمرفأ.»

«وأنت بدأت تتدلى من الآخرين.»

«فترة صعبة علينا جميعاً.»

قال آدم:

«أنتم لا تثقون بالمرفأ.»

رفع الرجل النحيل قدحه الأول.

«أثق بهم حين يقولون إن الرصيف سينهار.»

«واليوم أنقذوا كثيرين.»

«نعم.»

انتظر آدم الاعتراض.

لم يأتِ.

قال:

«إذن ما المشكلة؟»

قال رجل العارضة:

«المرفأ يعرف أين يستطيع أن يمسكك.»

أضافت المرأة:

«ولا يعني ذلك أنه يعرف لماذا بقيت.»

قال آدم:

«لكنه يمنع السقوط.»

«وهذا ليس قليلاً.»

قال الرجل النحيل:

«لم يقل أحد إنه قليل.»

«لكنكم تقيمون بعيداً عنهم.»

«لأن القدرة على إنقاذي لا تمنحهم حق تعريف ما أنا عليه.»

نظر موكا إلى وعاء ليان.

«لم أسأله قط لماذا اختار الأوعية.»

قال آدم:

«كنت أظن أنه يستخدمها فقط.»

«كلنا كنا نظن ذلك.»

قالت المرأة:

«ربما كانت تستخدمه أيضاً.»

سألها آدم:

«وكيف تعرفين أن شخصاً صار جاهزاً للرحيل؟»

قالت:

«لا أعرف.»

«إذن من يعرف؟»

قال الرجل النحيل:

«لماذا تفترض أن أحداً يعرف؟»

جاء صوت من عند الدرجات:

«والذين يقيسونكم، هل سألتهم كيف وجدوا ما يمسكهم؟»

فكر آدم في مايك، في ثقله الذي يجعل الرصيف أصلب. وفي راف، الذي يدفع من نفسه كي يجعل الوافدين أوضح.

لم يسأل واحداً منهما قط.

قال:

«لا.»

قال الصوت:

«اسأل.»

وأضافت المرأة:

«لكن لا تفترض أن قصتهم تشبه قصتك.»

كان صاحب الأشكال لا يزال يصلح الضرر.

دفع دائرة إلى مكانها.

ثم مربعاً.

ثم خطاً مستقيماً.

كل شكل اقترب من وسط المنطقة انحرف عن نقطة واحدة فارغة.

فتح آدم بصيرته.

رأى حدود السكان، كل واحدة مستقلة عن الأخرى.

وفي الوسط وجد موضعاً لا يخص أحداً.

لم يكن فيه مقعد، ولا ضوء، ولا أرض. ومع ذلك توقفت الحدود كلها قبله على المسافة نفسها.

حتى باب المرأة، حين مددته لاستعادة المفتاح، انحرف عن جهته.

قال آدم:

«ما الموجود هناك؟»

قال الرجل النحيل:

«لا شيء.»

قال صاحب الصينية:

«لا شيء لا يسحب أكوابي عادة.»

قالت المرأة:

«هو لم يسحبها. أنتما أوصلتما الطريق إليه.»

سأل آدم:

«لمن هذا الموضع؟»

بدأ بعض السكان يغلقون حدودهم.

قال رجل العارضة:

«ليس لنا.»

«لمن إذن؟»

جاء صوت الشارد من موضع بعيد:

«من علّم أول حد.»

قال آدم:

«أين هو؟»

انغلقت القنوات كلها.

حتى صاحب الصينية رفع يديه.

«أنا كثير الكلام، لكن ليس إلى هذا الحد.»

نظر صاحب الأشكال إلى الخط الذي دار حول المركز الفارغ.

لم يمحه.

تركه يدور.

قالت المرأة:

«اخرجا.»

فتح السكان ممراً قصيراً بين حدودهم.

تحرك آدم وموكا نحوه.

لم يمسك أحدهما الآخر.

عند الحافة، وضع صاحب الأشكال مثلثاً تحت آدم، ودائرة تحت موكا.

استقاما.

قربهما.

انحنيا.

فصلهما.

استقاما من جديد.

ثم وجه الحديث إلى آدم:

«هل منعته من الضياع؟»

نظر آدم إلى موكا.

«لم أمنعه. هو من عاد.»

نظر صاحب الأشكال إلى موكا.

«لماذا عدت؟»

قال موكا:

«كان أمامي شخص يسقط.»

«إذن لم يكن هو الذي أعادك.»

أشار إلى آدم.

قال موكا:

«لا.»

قال آدم:

«لم أكن أنا.»

قال موكا:

«لا تجعل الأمر مريحاً جداً.»

دفع صاحب الأشكال المثلث والدائرة نحو بعضهما.

انحنيا.

حاول دمجهما في شكل واحد.

انكسر الشكل.

تركهما منفصلين، ووضع خطاً بينهما.

استقر الخط لحظة، ثم انحنى.

قال آدم:

«ماذا يعني ذلك؟»

أجاب الرجل:

«أن السؤال لا يملك شكلين فقط.»

رفع الخط المنحني وأبقاه يدور بجواره.

وكان أول شكل صنعه بعدهما يحمل الانحناء نفسه.

عاد الضباب يتكون تحت قدميهما كمساحة واحدة، غير ثابتة، لكنها تتسع لاثنين.

مشى موكا إلى جوار آدم.

لم يمسك كمّه.

قال آدم:

«كنت ستدخل.»

«نعم.»

«ثم عدت.»

«كان هناك رجل يسقط.»

«كان يمكن لغيرك أن ينقذه.»

«لم يكن غيري على الطريق.»

مضيا قليلاً.

قال آدم:

«هل أنت غاضب؟»

«نعم.»

«لأنني حاولت إيقافك؟»

«لأنني توقفت.»

نظر آدم إليه.

قال موكا:

«كنت أريدك أن تكون مخطئاً بما يكفي كي أذهب. ثم قلت إنك خائف.»

«وكان هذا كافياً؟»

«لا.»

رفع الوعاء.

«هذا كان كافياً.»

«ماذا تقصد؟»

«لو دخلت، كنت سأتركك تحمل واحداً آخر.»

قال آدم:

«لم أطلب منك البقاء من أجلي.»

«وأنا لم أبقَ من أجلك وحدك.»

مضيا في صمت.

ثم قال آدم:

«حين نعود، أريد أن أسألك كيف وجدت الشيء الذي يمسكك.»

رفع موكا حاجباً.

«أخبرتك ما هو.»

«أخبرتني ماذا اخترت. لم تخبرني كيف صار كافياً.»

مشى موكا عدة خطوات.

«هذا سؤال أفضل.»

«هل ستجيب؟»

«بعد أن تسأل نفسك أولاً.»

«عماذا؟»

نظر موكا إلى المسافة بينهما.

«لماذا لم تتركني.»

لم يجد آدم جواباً واحداً.

ولأول مرة، لم يحاول أن يصنعه.

تابعا السير نحو المرفأ.

وخلفهما، ظل صاحب الأشكال يقيس خطاً ينحني كلما حاول أن يحدد أين ينتهي شخص ويبدأ الآخر.

ومن مكان أبعد، جاء صوت صاحب الصينية:

«وجدت الكوب الثالث!»

ثم صمت.

قال صوت آخر:

«ليس كوباً.»

وقال صوت ثالث:

«اتركه.»

«دخل عندي.»

«هذا لا يجعله لك.»

ضحك موكا.

لم يمسك كم آدم، لكنه ظل يمشي إلى جواره.

نهاية الفصل الرابع

***