تم استلام بيانات جديدة من النظام.
استدار جابي نحو عمق المشاعات، واستدار الخط معه.
انتقل العمال إلى جانبيه، وثبّت كل واحد منهم موضعه من جديد. شدّت أمينة الحبل حول خصرها، ثم راجعت العقدة بيدها قبل أن تنظر إلى الأمام.
خلف الخط، كان من أُنقذوا في الهجوم الأول موزعين على أربع مناطق.
تحت سقف من ضوء ذهبي ثابت، استقر عدد كبير.
داخل سلسلة يصل بينها وهج بنفسجي يتحرك من يد إلى أخرى، جلس آخرون متقاربين.
وفي جيوب ذات حدود زرقاء باردة، بقي أفراد متباعدون، لكل واحد منهم مساحة لا يدخلها غيره.
أما الرابعة فلم تجمع الناس في مكان واحد: عمال يتحركون بين الجميع، يضعون علامات خضراء، ويقيسون ما بقي مستقراً وما يحتاج إلى تدخل.
واستقرت أسماء التجمعات الأربعة عليه وهو ينظر، من أنماط حركتها لا من أحد، كما استقرت أسماء أخرى في هذا المكان من قبل: القلعة. النسيج. الانجراف. الشبكة.
أبعد من الجميع، ظلت الأرصفة تعمل، ضوء أخضر، ينبض بانتظام، أقرب إلى حركة ابتلاع وهضم عملاقة.
نظر آدم نحو العمق.
لم يرَ شيئاً يقترب.
قال عامل يقف إلى جواره: «هل ترى حركة هناك؟»
«ليست رؤية، بالشكل الذي توحيه الكلمة.»
فتح آدم بصيرته. صارت تجيء الآن بمجرد التركيز، من كثرة ما ناداها في هذا اليوم.
ظهرت له حبال الخط وأوزان العمال وآثار من عبروا قبل قليل. امتدت الرؤية أبعد، ثم بدأت تضعف. كلما ابتعد عن المرفأ، قلت التفاصيل حتى لم يبقَ إلا نسيج مضطرب لا يستطيع أن يحدد له شكلاً.
أغلق عينه.
«لا توجد جبهة.»
قال أكسيوم من الطرف الآخر: «قل إنك لا تراها. لا تقل إنها غير موجودة.»
نظر آدم إليه.
«ما الفرق الآن؟»
«الفرق هو أن العمال سيصدقونك.»
«وما الذي يجعلهم يصدقونني في الأساس، إذا ما كان...»
قبل أن يُكمل، جاءت موجات صوتية، أقرب إلى صراخ، من خلف الخط.
استدار الجميع.
لم تأتِ الجبهة الجديدة من العمق.
كانت قد بدأت بين الذين ظنوا أنهم نجوا.
تحت السقف، كان الوافد الصغير ذو النغمتين يحاول الخروج.
عرفه آدم فوراً. حين وصل في الهجوم الأول، لم يكن له وجه كامل ولا اسم، لكنه كان يطلق نغمة قصيرة، ثم يصمت، ثم يطلق نغمة أخرى أخفض منها بقليل.
تحت الضوء، استقرت هيئته. صارت حوافه أوضح، وانتظم صوته.
لكن النغمتين لم تعودا كما كانتا.
كان يطلق النغمة نفسها مرتين.
كررها، وانتظر.
ثم أعادها، وانتظر مرة أخرى.
رفع رأسه إلى السقف كأنه يبحث فيه عن الصوت الذي فقده. لم يجده. انحنى على يديه وبدأ يجرّ نفسه نحو الخارج.
اقترب منه رجل من القلعة: «توقف. لا تخرج الآن.»
هز الصغير رأسه، واستمر.
قال الرجل: «ما تشعر به اضطراب مؤقت. ابقَ هنا حتى يثبت إيقاعك.»
أطلق الصغير النغمة المكررة، ثم ضرب صدره بيده.
قال موكا، وكان يقف قريباً: «هو لا يريد إيقاعاً ثابتاً. يريد النغمة الأخرى.»
نظر رجل القلعة إليه.
«وهل أنت خبير في معرفة ما يريده الآخرون؟ هو آمن.»
قال موكا: «هذا لا يجيب عمّا قلته.»
«لو خرج، سيضعف من جديد.»
«ولو بقي؟»
«سيثبت.»
«أعرف. أسألك: ماذا سيبقى منه بعد أن يثبت؟»
لم يجب الرجل.
وصل الصغير إلى حافة الضوء. خرج رأسه أولاً، ثم كتفاه. عندما حاول إخراج بقية جسده، انحنت هيئته عند الحد، كأن جزءاً منه ما زال متعلقاً بالسقف.
أطلق النغمة مرة.
ثم أطلقها مرة ثانية.
ظهر بينهما فرق صغير.
توقف الصغير.
أعاد النغمتين.
كان الفرق ضعيفاً، لكنه موجود.
دفع نفسه إلى الخارج.
قال موكا: «هذه هي بقية الجملة.»
سأله آدم: «أي جملة؟»
أشار موكا إلى الصغير.
«نجا، لكنه لا يريد أن ينجو بالطريقة نفسها.»
اتجه الصغير إلى السلسلة.
كانت سوزي ما تزال فيها. يدها اليمنى تمسك الوافد الثقيل الذي عبر في الهجوم الأول، ويدها اليسرى تمسك امرأة ظلت تنظر إلى كفها منذ وصلت، كأنها لم ترها من قبل.
رأت الصغير يقترب، فمدت له أصبعين.
«تعال. أمسك بي.»
تردد.
قالت: «لن أتركك وحدك.»
أمسك بها.
انتقلت الرجفة من يده إلى ذراع سوزي. رأى آدم كتفها يهتز، ثم تحرك الوهج البنفسجي على امتداد السلسلة.
وصلت الرجفة إلى المرأة في اليد الأخرى.
ثم إلى الوافد الثقيل.
ثم إلى شخصين خلفهما.
أطلق الصغير النغمة المكررة، فخرج صداها من فم رجل بعيد عنه. انغلقت يد امرأة أخرى بالإيقاع نفسه. مال آخر لم يكن قد لمس الصغير قط.
قالت سوزي: «هناك شيء ينتقل منه.»
ردت امرأة من النسيج، تقف خلفها: «لأنكم متصلون. وزنه صار موزعاً.»
«لم أقل إنني أريد توزيع هذا.»
«لكنك أمسكت يده.»
«أنا أمسكت طفلاً خائفاً. لم أوافق على أن ينتقل حمله إلى كل من حولي.»
في آخر السلسلة، كان ثلاثة من الواصلين الجدد يمسكون بمن سبقهم. لم يكونوا قد اختاروا الانضمام. وضعهم العمال قرب السلسلة لأن الأرض كانت أكثر ثباتاً هناك، ثم وجد كل واحد منهم يده داخل يد شخص آخر عندما بدأ الصف يميل.
صرخت سوزي: «هؤلاء لم يختاروا أن يدخلوا معنا.»
قالت المرأة: «لكنهم الآن جزء من الحمل.»
«هم لا يعرفون حتى ما الذي يحملونه.»
«سيعرفون بعد أن يستقروا.»
حاولت سوزي تحرير يدها من الصغير.
في اللحظة نفسها، مال الوافد الثقيل في يدها الأخرى. تحركت السلسلة كلها، وانخفضت الأرض، المستوى الأفقي الذي يتفق عليه الجميع، تحت الثلاثة في آخرها.
توقفت سوزي.
ثبتت قدميها، وأعادت إحكام قبضتها.
قالت بصوت متعب: «لا أستطيع أن أتركه.»
قالت المرأة: «لهذا نحتاج إليك.»
رفعت سوزي عينيها إليها.
«لا. أنا اخترت ألا أترك أحداً وحده. لم أختر أن أصبح باباً لا يستطيع صاحبه إغلاقه.»
انخفضت الأرض مرة أخرى.
رمت أمينة حبلها حول خصر سوزي.
أمسك عاملان الطرف الآخر، وشدّاه إلى الخلف.
مر عامل من الشبكة قرب السلسلة، نظر إلى العلامات التي تتحرك أمامه، ثم قال: «اقطعوا الاتصال بعد الوصلة الرابعة.»
قالت سوزي: «ماذا يعني ذلك؟»
أشار إلى الثلاثة في النهاية.
«إذا فصلناهم الآن، يستقر الباقون.»
«وهم؟»
«قد لا نستطيع سحبهم.»
«إذن لا تقطع.»
قال العامل: «إذا لم نقطع، سيستمر الحمل في الانتقال، وقد تسقط السلسلة كلها.»
«قلت لكم إنهم لم يختاروا الدخول فيها.»
«وأنا لا أقيس الاختيار الآن. أقيس ما يستطيع الخط حمله.»
شدّت سوزي يد الصغير أقوى.
«لا أريد قياسك. أريد مساعدة.»
قال العامل: «هذا ما أحاول فعله.»
على يمينهم، بقي جيب ألفي مغلقاً.
كان العجوز واقفاً وحده داخل الحد الأزرق. المساحة حوله بالكاد تتسع له، لكنها ثابتة. لا تصل إليها الرجفة، ولا ينتقل إليها وزن السلسلة.
صرخت سوزي: «ألفي! افتح الجيب من جهتك.»
اقترب ألفي من الحد.
وضع كفه عليه.
رقّت الحافة أمامه، وظهر الضباب من خلالها. اهتز الجيب كله، وفقدت الأرض داخله بعض صلابتها.
سحب يده.
قالت سوزي: «افتحه لهم فقط. ليس عليك أن تخرج.»
نظر إلى الثلاثة. كان أقربهم قد انخفض حتى ركبتيه.
قال: «إذا فتحت هذا الموضع، لن يبقى الجيب مستقراً.»
«ربما يدخل واحد منهم.»
«وربما يدخل ثقلهم كلهم.»
«وأنت ستبقى هنا وحدك؟»
سكت ألفي لحظة.
«هذا ما يستطيع اختياري أن يحميه.»
قالت سوزي: «نفسك.»
«نعم.»
أغلق كفه، فعادت الحافة إلى صلابتها.
بقي ألفي آمناً.
وبقي الثلاثة في الخارج.
اقترب أكسيوم من آدم.
«نريد رؤية الأرشيفي.»
قال آدم: «أرى ما يحدث.»
«ترى أشخاصاً يميلون. نحتاج إلى معرفة ما الذي يشدّهم.»
نظر آدم إلى الصغير، ثم إلى سوزي، ثم إلى الثلاثة.
تذكر الرجل المسنّ في الهجوم الأول، حين قال آدم إنه يمسك شيئاً، فمدّ العامل يده إليه. كان آدم قد رأى ما في يد الرجل، لكنه لم يرَ ما سيفعله الرجل باليد التي تُمد إليه.
وتذكر اسم ليان وهو يتحول إلى خيط بينه وبين موكا.
وتذكر أنه قطعه.
قال: «كل مرة أقول ما أراه، يتصرف شخص آخر على أساسه.»
قال أكسيوم: «لهذا نحتاج أن تقول بدقة.»
«الدقة لا تخبركم بما سيحدث بعد ذلك.»
قالت أمينة، وهي تشدّ الحبل حول سوزي: «لا أحد طلب منك المستقبل.»
«لكنكم تطلبون مني القرار.»
قالت: «نطلب منك أن ترينا مكان القرار. نحن من سندفعه.»
صرخت سوزي: «أمينة!»
انشق موضع صغير في يدها.
قالت أمينة لآدم: «افتح عينك الآن.»
فتحها.
اختفى المشهد المعتاد.
ظهر الصغير كعقدة تمسك فرقاً ضئيلاً بين نقطتين. لم تكن النغمتان هما ما يثبته. كانت المسافة بينهما؛ ذلك الفرق الصغير الذي يجعل الأولى غير الثانية.
تحت السقف، ضاق الفرق حتى كاد يختفي.
عندما خرج، حاول استعادته.
وعندما أمسك سوزي، تحول خوفه من فقده إلى حمل انتقل عبر كل من اتصل به.
نظر آدم إلى السلسلة.
كان الحمل كله يعبر من موضع واحد: سوزي. من جهةٍ الصغير، ومن الجهة الأخرى كل الباقين.
لا قطع لا يُسقط أحداً: بعدها يسقط الثلاثة، وقبلها يسقط الصغير والثقيل معاً.
ثم رأى السقف.
يستطيع أن يستعيد الصغير. يستطيع أن يوقف انتقال الرجفة. يستطيع أن يجعل إيقاعه واحداً وثابتاً.
لكنه سيغلق الفرق بين النغمتين.
انطفأت الرؤية.
قال أكسيوم: «نقطع بعد سوزي. نخسر ثلاثة ونحفظ الباقين.»
قال آدم: «أعيدوا الصغير إلى السقف.»
قال رجل القلعة: «سيستقر فوراً.»
سأله آدم: «هل ستعود نغمته الأخرى؟»
قال الرجل: «سيبقى قادراً على حمل نفسه.»
«هذا ليس ما سألت عنه.»
«النغمة الأخرى هي ما يسبب اضطرابه الآن.»
«هي أيضاً الشيء الذي يحاول الاحتفاظ به.»
قال العامل من الشبكة: «آخر الثلاثة يهبط.»
نظر آدم.
كان أحدهم قد انخفض حتى خصره. امتدت يداه، لكنه لم يجد شيئاً جديداً يمسكه.
قالت أمينة: «لدينا خياران. إما أن نترك ثلاثة، أو نعيد الصغير إلى السقف. قل لنا ما رأيته، لا ما تتمناه.»
قال آدم: «إذا عاد، تتوقف الرجفة.»
«وبقية الثمن؟»
نظر إلى الصغير.
«قد يفقد الفرق بين النغمتين.»
قالت أمينة: «والثلاثة؟»
«يمكن سحبهم.»
«وسوزي؟»
«تتحرر من الحمل القادم منه.»
سألته سوزي: «هل سيبقى هو؟»
تأخر قبل أن يجيب.
«لا أعرف ذلك.»
صرخت أمينة: «اختر الآن.»
نظر آدم إلى موكا.
كان يحمل وعاء ليان المكسور بكلتا يديه. لم يقل له ماذا يفعل. لم يبعد نظره أيضاً.
عاد آدم إلى الثلاثة.
قال: «أعيدوه.»
تحرك العمال.
أمسك رجل القلعة الصغير من كتفيه. أمسك عامل آخر الموضع الذي استقر كظهر له. جذبا، لكن جسده لم يتحرك كله. كان جزء من ثقله موزعاً في السلسلة.
قالت أمينة: «لا تسحبوه دفعة واحدة. أعيدوا الحمل يداً بعد يد.»
أمسكت الحبل، وثبتت سوزي.
قالت للمرأة التي تليها: «عندما أقول الآن، اتركي يدك.»
قالت المرأة: «سيسقط من بعدها.»
«العامل خلفك سيمسكه.»
نظر العامل إليها وأومأ.
قالت أمينة: «الآن.»
فتحت المرأة يدها.
ارتدت الرجفة إلى جسدها دفعة واحدة. انحنت، لكن العامل أمسكها من كتفها قبل أن تهبط.
خفّ ثقل الصغير قليلاً.
قالت أمينة: «اليد التالية.»
تحررت وصلة أخرى.
ارتد الحمل إلى الصغير، فصرخ من غير كلمات. ظهرت النغمة في أكثر من موضع في جسده، ثم اجتمعت عند فمه.
قالت أمينة: «سوزي. عندما يخفّ من يدك، اتركيه.»
قالت سوزي: «وإن لم يخف؟»
«سنقول لك.»
«لا تقولوا لي بعد فوات الوقت.»
سحب العمال مرة أخرى.
قال آدم: «الآن. اتركي.»
فتحت سوزي يدها.
اندفع الصغير نحو السقف. سقط عند الحافة، ومدّ أصابعه إلى الأرض، محاولاً الإمساك بشيء تركه خلفه.
أغلق الضوء حوله.
توقفت الرجفة في السلسلة.
صعد الثلاثة ببطء. سحبهم العمال واحداً بعد الآخر حتى عادت الأرض تحتهم.
جلست سوزي على ركبتيها. وضعت يدها المصابة أمامها، وراحت تراقب الشقوق وهي تحاول الانغلاق.
داخل السقف، وقف الصغير.
أطلق نغمة.
انتظر.
ثم أطلقها مرة أخرى.
كانت النغمتان متطابقتين.
انتظر طويلاً.
لم تأتِ الأخرى.
قال رجل القلعة: «استقر.»
قال موكا: «ونجا.»
نظر آدم إليه.
أشار موكا أولاً إلى الصغير، ثم إلى الثلاثة الذين سُحبوا من الأرض.
«هذه بقية الجملة كاملة.»
قال آدم: «كان عليّ أن أختار.»
«أعرف.»
«هل تلومني؟»
نظر موكا إلى الوعاء بين يديه.
«لا أعرف بعد.»
ثم ضمّه إلى صدره.
«سأقول لك حين أعرف.»
نظروا نحو الشيء الذي سقط من جسد الصغير عندما سحبوه.
هبط قرب طرف السلسلة.
كان يشبه مفتاحاً.
تحرك موكا نحوه.
قال آدم: «مكانك.»
توقف موكا.
نظر إليه، ثم إلى المفتاح.
قال: «إنه من أوعية ليان.»
«الأرض تحته غير ثابتة.»
«سأحضره وأعود.»
«قلت الشيء نفسه حين ناديت ليان.»
تغير وجه موكا.
تحرك جابي قبل أن يرد.
تقدم نصف خطوة.
مال الخط خلفه فوراً. رفع خمسة من الواصلين أيديهم نحوه، وانفتح فراغ صغير في الموضع الذي تركه.
قال أكسيوم: «جابي. الخط.»
بقي جابي لحظة أمام موضعه. كان ينظر إلى المفتاح.
ثم عاد.
عندما استقرت قدمه، لاحظ آدم شقاً رفيعاً يمتد من معصمه إلى منتصف ساعده. لم يعرف إن كان جديداً، أم أنه لم يره من قبل.
قالت أمينة: «لا يتحرك أحد.»
فكّت جزءاً من الحبل، ورمته نحو المفتاح.
أخطأه الطرف في المرة الأولى.
سحبته، ورمته ثانية.
التف الحبل حول المفتاح، فسحبته قبل أن تهبط الأرض تحته.
أعطته لموكا.
قالت: «قد لا يكون لليان.»
أمسكه موكا بحذر.
«خرج من وعائه.»
«ربما أعطاه لواحد من الواصلين.»
وضعه داخل الوعاء المكسور.
«إذن لذلك الواحد شيء هنا أيضاً.»
اقترب آدم.
قال موكا، من غير أن ينظر إليه: «هذه المرة لم تقطع الطريق.»
قال آدم: «هذه المرة رأينا الحبل.»
رفع موكا عينيه.
«في المرة القادمة، ابحث عنه قبل أن تستخدم السكين.»
«سأحاول.»
«سأحاول؟ هذه كلمة يقولها الكبار حين ينوون النسيان.»
«حسناً. سأبحث عن الحبل.»
أومأ موكا.
أدرك آدم أنه لم يسامحه.
لكنه لم يغلق الحديث أيضاً.
بعد ذلك، تحول ما حدث إلى عمل.
قسّم أعضاء القلعة سقفهم إلى مساحات أصغر. فتحوا ممراً ضيقاً لمن يريد الخروج، وجلس أحدهم عند كل فتحة.
كانوا يسألون كل من يقترب:
«ما الشيء الذي تريد أن تحتفظ به؟»
من استطاع الإجابة خرج.
ومن لم يجد جواباً، طلبوا منه أن يبقى قليلاً.
في السلسلة، أعادت امرأة من النسيج عدّ الأيدي من البداية. لم تعد تعتبر كل من يمسك جزءاً منها بالضرورة.
أشارت سوزي إلى ثلاثة أشخاص.
«هؤلاء وجدوا أنفسهم معنا. لم يختاروا.»
وضعت المرأة علامة بجوار كل واحد منهم.
قالت سوزي: «ماذا تعني العلامة؟»
«أننا سنسألهم عندما يستقرون.»
«وإن قالوا لا؟»
«نفتح لهم الطريق.»
«هل كان ذلك سيحدث لو لم أعترض؟»
توقفت المرأة.
«لا أعرف.»
قالت سوزي: «إذن ابدئي بالسؤال قبل أن تضعي اليد في اليد.»
لم ترد المرأة، لكنها أبقت العلامات.
ظل ألفي داخل جيبه، تلك الفقاعة.
لم يفتحها، لكنه أخذ يوجه العمال إلى أماكن يمكن فتح جيوب جديدة فيها.
مرت سوزي بالقرب منه.
قال: «لو فتحته، كان من الممكن أن نسقط نحن الأربعة.»
قالت: «أعرف.»
«هل كنت تريدين مني أن أفتحه رغم ذلك؟»
نظرت إلى يدها المشققة.
«كنت أريد منك ألا تجعل عجزك يبدو كأنه قاعدة للجميع.»
«أنا قلت إنني لا أستطيع.»
«قلت أيضاً إن اختيارك يكفي.»
«يكفيني أنا.»
«هذا هو الجزء الذي لم أسمعه جيداً في الحلقة.»
ابتعدت.
بقي ألفي داخل الحد الأزرق، ينظر إلى الموضع الذي كانت تقف فيه.
تحرك عمال الشبكة بين الجميع.
ظهرت العلامات الخضراء واحدة تلو الأخرى:
مستقر.
يحتاج إلى مساعدة.
غير معروف.
مفقود.
راجعوا من دخلوا السقف ومن خرجوا منه. عدّوا من في السلسلة، وسألوا أصحاب الجيوب أن يفتحوا حدودهم من الداخل، واحداً بعد آخر.
فتشوا عند الثقوب التي أُغلقت.
راجعوا آثار الحبال.
جمعوا ما بقي من أوعية ليان.
لم يجدوه. قال موكا: «هل بحثتم في كل مكان؟»
أشار العامل إلى القوائم.
«راجعنا المرفأ، والسقف، والسلسلة، والجيوب، وآثار الحبال، والثقوب القريبة.»
«لم أسألك عن الأشياء التي راجعتها. سألتك إن كنت بحثت في كل مكان.»
نظر العامل نحو العمق.
ظهرت هناك مسارات قصيرة، ثم اختفت قبل أن تكتمل.
قال: «لا.»
انتظر موكا بقية الجملة.
قال العامل: «التجول في المشاعات الآن ليس حكيماً.»
لم يعترض موكا.
رفع الوعاء المكسور، وضمه إلى صدره.
قال: «إذن اكتب هذا أيضاً.»
نظر العامل إلى العلامة التي وضعها في المكان الذي كان يقف به ليان.
ثم أضاف تحتها:
المسار غير معروف.
قرأ موكا الكلمات مرتين.
«أفضل.»
ظلت الأرصفة تعمل.
مر صف من الواصلين في طريقه إلى ممر التعافي. سار أمامهم عامل يكرر الجملة نفسها:
«أنتم بأمان الآن. المرفأ سيحملكم حتى تستطيعوا حمل أنفسكم.»
خلف الصف، كان عامل آخر يقرأ من دفتر مفتوح أمام أكسيوم:
«ثلاثة وثلاثون مستقرون. أحد عشر يحتاجون إلى مساعدة قبل الدورة القادمة. اثنان لم نحدد ما يمسكانه. أربعة مفقودون من القوائم الأولى. واحد منهم من عمال المرفأ.»
قال أكسيوم: «ابدؤوا بمن لا يمسك شيئاً واضحاً.»
اقترب آدم.
«ماذا ستفعلون بهم؟»
قال أكسيوم: «نعطيهم عملاً يستطيعون أداءه.»
«مثل ماذا؟»
«حمل الأوعية. تثبيت المسارات. عدّ الواصلين. إصلاح الرصيف.»
قال آدم: «لكنهم وصلوا للتو.»
«أعرف.»
«وأخبرهم العامل أن المرفأ سيحملهم.»
«وسيحملهم.»
«ثم سيطلب منهم أن يعملوا.»
«نعم.»
قال آدم: «هل يعرفون ذلك؟»
نظر أكسيوم إلى الصف.
كان بعضهم لا يزال يلتفت إلى الخلف، كأن المكان الذي خرج منه قبل قليل سيظهر إذا انتظر طويلاً بما يكفي.
قال: «الآن يحتاجون إلى معرفة أنهم لن يسقطوا.»
«وبعد ذلك؟»
«يحتاجون إلى سبب يجعلهم يستمرون.»
«والعمل هو السبب؟»
«قد يكون.»
«ومن يقرر؟»
«نحن نعرض ما يحتاجه المرفأ. هم يختارون ما يستطيعون فعله.»
«وماذا يحدث لمن لا يختار؟»
قال أكسيوم: «يظل بلا عمل.»
«ثم؟»
نظر إليه أكسيوم مباشرة.
«كل شيء بلا وظيفة هنا يحتاج إلى طاقة كي يبقى. المرفأ لا يملك طاقة بلا نهاية.»
قال آدم: «إذن الأمان الذي تعدونهم به مؤقت.»
«كل أمان مؤقت.»
«لكن العامل لا يقول ذلك.»
«لأنهم وصلوا منذ قليل.»
«وهذا يجعله أقل صحة؟»
«يجعله الجزء الذي يستطيعون حمله الآن.»
أشار أكسيوم إلى الدفتر.
انتقل العامل إلى الاسم التالي.
مرّ الصف قرب الأرصفة.
رأى آدم الخيوط الصاعدة من جهة الموجة باتجاه الأرصفة. صارت أضعف، لكنها لم تتوقف.
سأل: «متى تتوقف الأرصفة؟»
قال أكسيوم: «عندما تنتهي الذروة.»
«ماذا يعني ذلك؟»
«عندما لا يبقى في الحدث ما تستطيع العدسات حمله.»
«وإلى أين يذهب ما تحملونه؟»
نظر أكسيوم نحو الرصيف البعيد.
«ليس هذا عملي.»
«لكنك تصدر الأوامر هنا.»
«عملي أن يبقى الخط قائماً، وأن يبقى المرفأ قادراً على استقبال الجبهة التالية.»
«باستخدام ما يأتي من الجبهة السابقة.»
«نعم.»
لم يحاول أكسيوم تجميل الإجابة.
ابتعد قبل أن يجد آدم سؤالاً جديداً.
عاد آدم إلى علامة مفقود.
كان موكا واقفاً أمامها، يهز الوعاء قليلاً. تحرك المفتاح داخله، وصدر عنه صوت صغير.
لم يكن صوت معدن.
كان ذكرى لصوت مفتاح.
فتح آدم عينه الأخرى.
رأى آثار السقف والسلسلة والجيوب والحبال والثقوب. رأى الأسماء التي ربطت أصحابها بالمرفأ، والأشياء الصغيرة التي حملها الواصلون في أيديهم.
بحث عن أثر ليان.
وجد آثار أوعيته في مواضع كثيرة. تفصيل هنا، وظل شكل هناك، وإيقاع قصير في يد أحدهم.
لكن كل أثر انتهى عند الشخص الذي تلقاه.
لم يجد خطاً يعود إلى ليان.
أغلق عينه.
سأله موكا: «هل رأيته؟»
«رأيت ما تركه.»
وقفا ينظران إلى العمق.
عند آخر موضع تستطيع أرض المشاعات الاحتفاظ بشكله، ظهر واحد من الشاردين.
كان رمادياً، لكن اللون لم يكن اسماً له ولا علامة على جماعته. لم يحمل حافة سوداء كالضيف الذي جاء إلى الحلقة، ولم يتجه إلى الموضع الذي اختفى فيه من تبعوه.
مرّ وحده.
تكوّنت الأرض تحته بالقدر الذي يحتاجه فقط، ثم اختفت بعده. لم يترك ممراً، ولا أثراً يستطيع آدم فتح عينه عليه.
قال آدم: «هل تعرف أي شيء عنهم؟»
قال موكا: «لا يطلبون منا شيئاً. لا يعطوننا شيئاً. ولا يجيبون عندما نسألهم.»
تحرك الشارد خطوة أخرى.
قال موكا: «لكننا لم نسأل هذا بعد.»
نظر آدم إليه.
«تريدني أن ألحق به؟»
«أريد أن أعرف إلى أين اختفى ليان.»
«قد لا يكون عنده جواب.»
«كل من تحدثنا معهم يملك جواباً جاهزاً. القلعة تعرف كيف تنقذك. النسيج يعرف كيف يحملك. الانجراف يعرف كيف يتركك وحدك. الشبكة تعرف كيف... لا أعلم حتى ماذا يمنحونك حقًا.»
أشار موكا إلى الشارد.
«جرّب الشخص الذي لا يريد أن يشرح نفسه.»
بدأ الضباب يمحو موضعه.
تحرك آدم.
أمسك موكا كمّه.
«لن تذهب وحدك.»
نظر آدم إلى يده.
«الأرض هناك غير ثابتة.»
«قلتَها لي عند المفتاح.» أحكم موكا قبضته. «ولهذا لن تذهب وحدك.»
وتحركا معاً نحو الشارد الذي بدأ يختفي.