تم استلام بيانات جديدة من النظام.
لم يعرف آدم أين ارتطم الشيء. انخفض المرفأ نصف درجة.
موكا توقف عن العدّ.
«ليست دفعة.»
أمينة شدّت عقدة قبل أن تنظر. ليان قطع جملته في منتصفها. من ناحية الاستقبال تكثّف الضباب كجبهة واحدة: وجوه نصف مكتوبة، وأصوات لا تزال تظن أن لها أفواهاً.
أمينة تركت الحبل على الأرض ومشت.
«اتبعوني.»
التقطت الحبل وهي تمشي، ولفّته حول خصرها، ورمت طرفه إلى ليان.
«امسك.»
«أنا أحمل الأوعية.»
«احمل الاثنين.»
«هذا جواب سيئ.»
«أعرف.»
أمسك الحبل.
نظر آدم خلفه إلى الحلقة وهي تنفضّ. العجوز ذو المنامة الزرقاء ما زال واقفاً بجانب الأزرق الجليدي؛ لم يرحل بعد. سوزي على الطرف الآخر، أقرب إلى البنفسجي مما كانت، لكن ليس بما يكفي لتقول إنها اختارت. وموضع الضيف كان فارغاً.
أو ربما كان هناك، والضباب لا يريد أن يعترف به.
«ما الذي يحدث؟» سأل آدم.
«تعال.» قالت أمينة.
«إلى أين؟»
قال موكا: «سؤال ممتاز. احتفظ به لوقتٍ لا نتبخر فيه من الإجابة.»
«موكا.»
«حاضر.»
خرجوا من المرفأ.
أو هكذا ظن آدم في البداية. ثم فهم أن المرفأ لم يكن له باب أصلاً؛ كان فقط الجزء الذي اتفق عدد كافٍ من المقيمين على أنه يصلح للانتظار. بعد آخر عمود لم تنتهِ الحدود. خفتت، فقدت ثقتها.
صارت تُرسم تحت القدم، ثم تمحو نفسها خلف الخطوة، كأنها لا تريد أن تتحمل مسؤولية الطريق أكثر مما يجب. على اليمين تشكّلت حافة درج لأن ثلاثة كانوا ينزلون، وحين مرّوا بقيت الحافة نصف لحظة ثم تراجعت في الضباب. على اليسار ظهر مقعد حول امرأة جلست، ولم يكتمل ظهر المقعد، لأن المرأة نسيت لماذا احتاجت إلى ظهر.
قال ليان: «لا تنظر طويلاً إلى الأشياء التي لا يعرف أصحابها لماذا هي موجودة.»
«ماذا يحدث لو نظرت؟»
قال موكا: «تصير مهندس ديكور للمشاعات.»
لم يضحك أحد.
أمامهم بدأت الألوان تتحرك. ليس كرايات، وليس كجيوش؛ كعادات قديمة في جسد كبير. الذهب تجمّع في كتل قليلة لا تسرع، لأنها لا تحتاج إلى السرعة كي تبدو واثقة. البنفسج انتشر عرضاً، كقماش يُفرد قبل أن يصل السقوط. الأزرق لم يتجمع أصلاً؛ فتح مسافات صغيرة حول أصحابه. أما الأخضر فلم يظهر كأشخاص أولاً، ظهر كعلامات: خطوط قصيرة، وزوايا، ونقاط باردة تقف في أماكن لا يجرؤ أحد على الوقوف فيها.
قال آدم: «كلهم كانوا في الحلقة.»
قالت أمينة: «في الحلقة كانوا يتكلمون.» وشدّت الحبل حول خصرها. «هنا يعملون.»
وبعيداً، خلف هذا كله، لمح آدم شيئاً أخضر يدور.
أرصفة على مبعدة، حلقاتها ترتفع وتنخفض بإيقاع منتظم. منتظم أكثر من اللازم. كل ما حوله كان يتعثر ويصطدم ويعيد رسم نفسه، وذلك الشيء وحده يدور كأن اليوم يوم عادي.
«ما ذاك؟»
«ليس عملنا.» قالت أمينة.
لم تكن إجابة. سجّلها آدم على أي حال.
ثم جاء الصوت.
لم يأتِ من جهة واحدة. جاء كأن المرفأ نفسه تذكّر شيئاً لم يرده. لا صورة، ولا كلمة كاملة؛ امتلاء مفاجئ حاد، كأن آلاف المعاني وصلت إلى باب ضيق في اللحظة نفسها. ضوء، أو أثر ضوء. سقف ينخفض. وجملة واحدة يقولها كثيرون ثم تنقطع قبل كلمتها الأخيرة.
توقف آدم. ليس لأنه أراد؛ لأن وعيه تلقّى المعنى قبل أن يراه.
«ماتوا معاً؟» سأل.
نظر إليه ليان بسرعة. كانت أول مرة يرى آدم في وجهه حركة غير محسوبة.
«لا تعطِها جملة كاملة.»
«لماذا؟»
قالت أمينة: «لأن الجملة الكاملة تصير طريقاً.»
ثم وصلوا إلى الحافة.
وهناك رأى آدم المشاعات من الداخل.
لم تكن الجهة المقابلة موجة. الموجة لها شكل، حتى لو كرهت الشاطئ. هذه لم يكن لها شكل واحد: أناس غير مكتملين، وجوه تبدأ ثم تتراجع، أذرع تظهر لأن أحداً احتاج أن يمسك ثم لا تجد ما تمسك به. كيان صغير يحمل شيئاً عند صدره ويضيع الشيء كلما اقترب. رجل طويل يسحب خلفه نصف هيئة لا تلحق به. امرأة تقف في مكانها بينما الأرض تحتها تقرر الاقتراب.
وكانت الكثرة كلها تتحرك نحو المرفأ.
قال آدم بصوت منخفض: «كل هؤلاء...»
«وافدون.» قالت أمينة.
«من أين؟»
قال ليان: «من أثر السؤال. لا من خبره.»
داخل الكثرة رأى آدم ما لم يره من بعيد: وافد يتصدع في منتصف حركته فتتناثر حوافه. آخر يمسك بمن يتصدع بجانبه ويأخذ منه ما تبقى. يد تخرج من الزحام فتتعلق بها ثلاث أيادٍ أضعف منها، فيغرق الأربعة درجة واحدة.
وقريباً منهم أمسك وافدٌ بآخر جانبه، وشدّه إلى أسفل معه. أمسكت بهما يد ثالثة، فنزل الثلاثة أكثر. فتح تحتهم ثقب أسود صغير لم يبتلعهم.
انتظرهم.
«مفترسات.» قال آدم.
«نعم.» قالت أمينة. «انظر إلى الحافة.»
جابي كان واقفاً عند انحناءة الرصيف.
وقف في نقطة يعرف العمال بعدها أين يمدّون أيديهم وأين يمنعونها. خلفه عمال من المرفأ، بعضهم يحمل حبالاً وبعضهم لا يحمل شيئاً، لكن وقوفهم نفسه كان أداة. أمامه الكثرة تقترب.
قال:
«الخط هنا.»
لم يرَ آدم خطاً.
وصل أول وافد إلى الحافة، ممسكاً بقطعة صغيرة، حجر، أو شيء اختار أن يكون حجراً لأن هذا أسهل على اليد.
مدّ عامل ذراعه.
قال جابي: «الآن.»
سحبوه.
بعده جاءت امرأة لا تحمل شيئاً. مدّت يدها، وكاد العامل نفسه يمدّ يده.
قال جابي: «لا.»
توقف العامل كأنه اصطدم بجدار. المرأة لم تسقط، ليس فوراً؛ فقط صارت أثقل. ظهر ذلك في كتفيها، مع أنها لم تكن تملك كتفين كاملين. حاولت أن تقول شيئاً، فلم يخرج إلا شكل فم.
قال آدم: «لماذا تركها؟»
لم تجبه أمينة. كانت تراقب المرأة. ثم قالت:
«ماذا رأيت؟»
«أنها لا تحمل شيئاً.»
«إذن قل ذلك.»
«لمن؟»
«لمن يسمعك.»
وصل ثالث: صغير، أو منحنٍ، أو مرسوم فقط من فكرة الخوف، ممسكاً بيد آخر، والآخر ممسك بثالث.
قال آدم: «هذا يمسك.»
تحرك عاملان.
شدّت أمينة الحبل. «لا. انظر مرة أخرى.»
فتح آدم عينه الأخرى. ومضة واحدة.
لم يكن الأول يمسك الثاني. كان يستعمله كأرض.
«لا تلمسوا الأول!» قال بسرعة. «اسحبوا الثالث!»
سمعه أحد العمال، لا يعرف آدم كيف؛ لم يرفع صوته بما يكفي، فغيّر اتجاهه وأمسك الثالث من خلف كتفه وسحبه. تحرر الثاني لحظة ثم وجد يداً أخرى. أما الأول فبقي وحده، وفقد الشكل الذي كان يأخذه من غيره.
قال موكا: «لطيف. أول حكم قاسٍ لك.»
«لم أحكم.»
قالت أمينة: «بلى.»
لم يكن في صوتها لوم. وهذا كان أسوأ.
ثم دفعته نصف دفعة إلى الأمام.
«رأيت شيئاً لا يراه العمال. كرره. ومضة، ثم قُل ما رأيت. لا تلمس أحداً، ولا تردّ على أحد غيري.»
«وإن أخطأت؟»
«ستخطئ. قُل على أي حال.»
على اليمين ارتفع الذهب.
لم يظهر كضوء أولاً؛ ظهر كراحة. عشرات ممن كانوا يرتجفون مالوا نحوه قبل أن يفتح لهم شيئاً، ثم انطبق فوقهم سقف واسع هادئ، كأن أحداً قال لهم إن الخوف لم يعد مسؤوليتهم.
قال رجل ذهبي: «تحت الإرشاد المُوحَّد، لا يضيع أحد.»
دخل وافد صغير كان يردد نغمتين لا يسمعهما إلا هو. رآه آدم. رآه فعلاً: النغمتان بقيتا بعد دخوله، لكنهما صارتا أنظف. مرتّبتين. كأن أحداً حذف التردد بينهما.
قال آدم: «لقد نجا.»
قال موكا: «نعم.»
«تقولها كأنها ليست خبراً جيداً.»
«هي خبر جيد. المشكلة في بقية الجملة.»
لم يسأل آدم عن بقية الجملة.
على اليسار، التيار البنفسجي لم يرفع سقفاً. مدّ نفسه.
وسوزي كانت هناك. يدها قريبة من السلسلة، لكنها لم تمسك بها بعد.
وصل إليها وافد ثقيل. لم يكن كبيراً؛ الثقل هنا لا يحترم الحجم. مدّ يده.
تأخرت سوزي.
قالت امرأة من البنفسج: «إما الآن، أو لا.»
قالت سوزي: «لا تسحبوني.»
«إذن اسحبي معنا.»
أمسكت سوزي اليد. وفي اللحظة نفسها مالت سلسلة كاملة خلفها: لم يحمل أحد الوافد وحده، ومع ذلك لم يتركه أحد. عبر الثقيل الحافة موزَّعاً على عشرين كتفاً.
وبقيت سوزي في السلسلة.
لم تعد على طرفها.
أما التيار الأزرق فلم يتقدم نحو الجبهة أصلاً.
فتح جيوباً باردة صغيرة خلف الخط، كل جيب يتسع لواحد. ورأى آدم ألفي واقفاً عند جيبه، والمنامة الزرقاء أوضح من كل شيء حولها، والجيب نصف مفتوح.
وأمام الجيب، على مرمى نظرة، خمسون بلا موضع قدم.
قال له الأزرق الجليدي وهو يمر: «أغلقه.»
قال ألفي: «يتسع لاثنين.»
«يتسع لواحد. هذا تعريفه.»
نظر ألفي إلى الخمسين. ثم إلى الجيب. ثم قال، أخفض:
«إذن تعريفه خطأ.»
لكنه لم يغلق الجيب، ولم يخرج منه. وقف عند بابه الذي لا يتسع لأحد غيره، ووجهه نحو الجهة التي لا يستطيع أن ينفعها.
رفع يده كأنه سيغلقه، ثم تركها عند الحافة.
والأخضر عمل فوق الجميع، بلا صوت تقريباً: علامات قصيرة فوق الرؤوس، متماسك، متصدع، اتركه، انتظر، وبين العلامات مشى كيان ثقيل الحضور يشبه مايك في الثقل ولا يشبهه في شيء آخر. وصل إلى آدم اسمه من نمطه قبل أن يقوله أحد: أكسيوم.
سمعه يقول لعماله: «من لا يمسك خلال نبضتين يسحب معه ثلاثة. لا تتأخروا على أحد.»
والسود لم يقفوا خلف الخط.
كانوا بين الوافدين أنفسهم: حوافهم سوداء حادة، كأنهم اختاروا الظُلمة عن اقتناع. انحنوا على من تعب من المقاومة وقالوا جملاً قصيرة. لم يسمع آدم الكلمات. رأى الأثر: يد تترك حبلاً. وافدة تكفّ عن السباحة. ثم خطوات هادئة نحو أقرب ثقب.
ثلاثة رماديين مرّوا وسط هذا كله.
لم يدخلوا الذهب، ولم يمسكوا السلسلة، ولم يطلبوا جيباً. مدّ وافد جائع يده إلى ذراع أحدهم فمرّت اليد خلال الموضع ولم تجد ما تقبض عليه. رمت وافدة حبلها نحو رمادية، فمرّ الحبل خلالها وسقط.
لم تتغير مشيتهم.
سأل آدم: «لماذا لا يمسكهم أحد؟»
قال ليان، وهو يفتح وعاءً: «لأنهم لا يمدّون شيئاً.»
«وهل هذه نجاة؟»
«اليوم؟ نعم.»
جاءت بعدها مجموعة أكثر اضطراباً. أيديهم أكثر من أجسادهم. واحد منهم يحمل باباً صغيراً بلا غرفة، واحد يمشي بلا وجه ثابت. واحد يجرّ كتفه خلفه، والكتف يتبعه بعد لحظة. كتلة سوداء صغيرة تتدحرج، ثم تخرج منها يد.
أمسك عامل صاحبَ الباب من الباب.
صرخ آدم: «ليس الباب!»
توقف العامل.
«هو! أمسكه هو!»
غيّر العامل موضع يده وأمسك الكتف، أو الموضع الذي قرر أن يكون كتفاً بعد اللمسة. الباب بقي خارج الخط. ارتجف صاحبه كمن تُرك نصفه في الخارج، لكنه عبر.
قالت أمينة: «جيد.»
قال آدم: «لا أعرف لماذا كان جيداً.»
«ستعرف لاحقاً.»
قال موكا: «أو لن تعرف. لا نبالغ في التفاؤل.»
وخلف الخط خرجت ضحكة صغيرة من أحد الوافدين. التفت موكا نحوه فوراً.
«أنت. هنا.»
الوافد لم يفهم.
«نعم، أنت. صاحب الضحكة السيئة. حافظ عليها. إنها بشعة بما يكفي لتكون ملكك.»
لمس الوافد فمه. لم يكن له فم كامل قبل ذلك. صار له شيء قريب منه.
قال آدم: «أنت سمّيته.»
«لم أسمّه. شتمته.»
«والفرق؟»
«الشتيمة أقل التزاماً.» ثم خفض صوته. «وأحياناً تكفي.»
وصل إلى الحافة مسنّ يمسك طرف خيط، باب حديدي، أو ذكرى باب؛ لم يعد آدم يعرف، ووقف أمام الخط ينتظر.
«هذا متماسك!» قال آدم.
مدّ عامل يده.
والمسنّ، في اللحظة الأخيرة، ترك خيطه وأمسك يد العامل.
هبط العامل درجة عن مستوى أقرانه. شدّه زميلان خلفه فثبت. أما المسنّ فقد صار بلا خيطه وبلا اليد، وفتح ثقب عند قدميه.
لم يصرخ.
نظر إلى آدم.
ثم غطس.
قال آدم: «كنت قد قلت يمسك.»
قالت أمينة، دون أن تتوقف عن العمل: «قلت. وكان يمسك. ثم بدّل مسكته بيد ليست يده.»
«كان يجب أن أرى ذلك.»
«الومضة ترى ما في اليد. لا ترى ما ستفعله اليد.»
ولم يكن عنده وقت ليتعلم الدرس، لأن الجبهة كلها بدأت تتعلم درساً أسرع.
الموجة تعلّمت.
الوافدون الذين لم يجدوا ما يمسكونه بدأوا يمسكون أدوات الإنقاذ نفسها.
يد تعلقت بحبل أمينة، ثم يد أخرى، ثم خمس. صار الحبل يُسحب من الجهة الخطأ، فقطعت أمينة جزءاً منه وربطت الباقي حول خصرها، أقصر من ذي قبل.
وعلى اليسار، بدأت الكثرة تتبع التفاصيل التي أطلقها ليان.
كان قد فتح أوعيته واحداً بعد آخر منذ بداية الجبهة: من كل وعاء تفصيل صغير — شكل مفتاح، نصف إيقاع، رقم لا يريد أن يضيع — وكل تفصيل أعطى وافداً بلا وجه شيئاً يمسكه فيثبت خطوة. لكن كل تفصيل ترك خلفه أثراً.
والآثار كلها كانت تعود إلى يد ليان.
رأى آدم الأمر في ومضة واحدة: خيوط رفيعة من عشرات الأيدي المنقَذة، كلها تجري إلى نقطة واحدة على يسار الخط.
«ليان!» صاحت أمينة. «أغلق الأوعية!»
«إن أغلقتها الآن سقط الممسكون بها!»
«أغلقها!»
مدّ ليان يده إلى أول وعاء.
وصلت الأيدي قبله.
لم تمزقه. تعلّقت به: واحد أمسك ذراعه، وآخر أمسك الوعاء، وثالث أمسك التفصيل الخارج من الوعاء نفسه. في نبضتين صار الرجل نقطة يشدّها الزحام من كل جهة.
رمت أمينة ما بقي من حبلها.
أمسكته الموجة قبل أن يصل.
تقدّم جابي خطوة، وانفتح على يمين الخط فراغ بحجم غيابه، فاندفع نحوه خمسة وافدين دفعة واحدة.
قال أكسيوم، من غير أن يرفع صوته: «جابي. مكانك.»
توقف جابي.
سدّ العمال الفراغ بصعوبة.
ولم ينظر أحد في عيني الجبل.
ترك موكا صغاره وركض خطوتين نحو اليسار.
«ليان!»
والاسم هنا خيط. رأى آدم النداء يمتد من الصبي إلى الرجل فوق رؤوس الزحام، خطاً واضحاً مشدوداً، ورأى الأيدي تلتفت إليه، وتترك ما في قبضتها، وتبدأ التسلق على الاسم نفسه.
نحو موكا.
قطع آدم الخيط.
لم يعرف أنه يستطيع حتى فعلها: ومضة من عينه الأخرى، وإرادة واحدة حادة. انقطع النداء في منتصف المسافة. لم ينطفئ اسم ليان، انطفأ طريقه إلى موكا.
سقط موكا على ركبته.
«ماذا فعلت؟»
لم يجب آدم. كان ينظر إلى ليان.
كان أحد الرماديين يعبر هناك.
في قلب الزحام نفسه، على بعد خطوة من الرجل المحاصَر، بالمشية نفسها التي لا يعنيها أحد. وحوله، كما في كل مكان مرّ به، فشلت الأيدي في أن تجد فيه مقبضاً، فانفتح بينها فراغ ضيق بعرض خطوة.
ثم انطبق الزحام خلفهما.
نبضتان، وانحسرت الموجة عن ذلك الموضع.
لم يكن هناك ليان.
لا في ثقب: الثقوب القريبة بقيت مفتوحة على فراغها. لا تحت الذهب، ولا في السلسلة، ولا في جيب.
فتح آدم عينه الأخرى على اتساعها. بحث عن خيط، عن وعاء، عن أثر انفراط. وجد ممراً نظيفاً في نسيج المكان، بعرض خطوة واحدة، يمتد في الاتجاه الذي مضى إليه الرمادي.
ثم التأم الممر.
بعد قليل ابتعدت الموجة عن الحافة. لم يطاردها أحد.
خلف الخط بقي ناجون كثيرون: تحت الذهب، وفي السلسلة، وداخل الجيوب، وممسكين بما بقي من حبال. أمام الخط بقيت أشياء صغيرة بلا أصحاب، وثقوب تنغلق ببطء وقد شبعت.
كتب الأخضر علامته فوق الموضع الذي كان فيه ليان:
مفقود.
قال موكا: «لا.»
قال عامل أخضر: «هذا تصنيف.»
«تصنيفك غبي.»
اقترب آدم منه.
«أنا قطعت النداء.»
«أعرف.»
«كانوا سيصلون إليك.»
«أعرف.» نظر موكا إلى الموضع الفارغ. «لا تشرح لي شيئاً الآن.»
مرّت أمينة تجمع أوعية ليان المكسورة. بعضها فارغ، وبعضها ما زال يحمل تفصيلاً صغيراً لا يجد صاحبه. وضعت وعاءً مكسوراً في يد موكا وقالت:
«لم يسقط في بئر.»
تمسّك آدم بالجملة. «إذن هو لم ينهار؟»
«لم أقل ذلك. قلت ما أعرفه.»
ثم تذكّر آدم الشيء الأخضر البعيد، والتفت إليه.
كان ما زال يدور.
طوال الجبهة كلها، والسقوط، والصراخ الذي بلا حناجر، والثقوب التي فتحت وأغلقت، لم يتغير إيقاعه مرة واحدة. الحلقات ترتفع وتنخفض بانتظام، وخيوط رفيعة مركّزة تصعد منها وتصبّ في اتجاه البوابة الخضراء البعيدة.
ورأى آدم الآن ما لم يره من قبل، لأن الثقل الذي حمله منذ الطريق، الجملة الجماعية التي انقطعت قبل كلمتها الأخيرة، كان يُسحب في الاتجاه نفسه:
الخيوط لا تصعد من الناجين.
تصعد من جهة الموجة. من اللحظة التي رمت هؤلاء كلهم إلى الحافة.
الحدث الذي أغرقهم كان يُستعمل.
قال أكسيوم لعماله، من بعيد: «الذروة قصيرة. لا تهدروا منها شيئاً.»
وقفت أمينة إلى جانب آدم. لم تنظر إلى الأرصفة.
«الذين وصلوا اليوم لن يعرفوا أن موتهم ساعد أحداً على البقاء.»
«هل هذا يجعل الأمر أسوأ؟»
«لا.» عقدت طرف حبلها الجديد. «يجعله أوضح.»
في عمق المشاعات فتحت جبهة ثانية فمها بلا صوت.
رفع جابي رأسه. أغلق ألفي جيبه الذي يتسع لواحد. وقف موكا، والوعاء المكسور في يده.
ولم يكن هناك من يقول أي تفصيل يكفي.