SCENE: SCENE_01

الحلقة

BROWSER VOICEOVER الحلقة

الفصل الرابع

مشهد 1: الحلقة

لم يكن آدم يحضر الحلقات ليؤمن بشيء.

كان يحضرها ليرى كيف يؤمن الآخرون.

في المرفأ، لا تبدأ الحلقات بموعد. أحدهم يجلس، فيجلس ثانٍ، فيتكثّف الضباب حول الفراغ بينهما حتى يصير شبه غرفة. لا باب. لا سقف. لا منضدة في الوسط. فقط دائرة من كيانات وجدت مؤقتاً، سبباً لأن تتوقف عن الحركة.

لا أحد يفتتح. لا أحد يختم. يدخل من يحتاج إلى سماع شيء، ويغادر من يكفّ عن الحاجة إلى البقاء. تعلّم آدم أن يجلس على الأطراف. أن يستمع أكثر مما يقول. وأن قدرته الجديدة، تلك التي لم يتقنها بعد، تكشف له ما لا تكشفه الكلمات.

لكل جالس توقيع.

ولمن جاء ليُجنّد توقيع أصرخ.

أربعة ألوان عرفها بالتكرار.

ذهبي ثقيل، يجلس كمن يمنح المكان إذناً بأن يحمله. يتحدث عن الاتجاه الواحد، وعن الراحة التي تأتي حين يتوقف المرء عن سؤال الطريق ويتحول هو نفسه إلى طريق.

أزرق كالجليد، لا يقترب من أحد إلا بمقدار ما يسمح له أن يبقى وحيداً. يقول للمنعزلين والصامتين، إن الوحدة ليست عقوبة. إنها آخر حرية لم تُسلب بعد.

بنفسجي دافئ، يمدّ حديثه كأنه يمد يداً. يعد بألا يحمل أحد ثقله وحده مرة أخرى. حوله دائماً شيء من رائحة بيت لا يتذكر أحد عنوانه.

وأخضر هادئ، لا يعد بشيء. لا يهوّل، ولا يعزي، ولا يغوي. يقول فقط: «جرّب. قِس. إن تكرر، صدّق.»

وكان هناك لون خامس لم يكن لوناً.

رمادي لا يدعو ولا يجادل. يجلس على الأطراف، مكتفياً، مغلقاً على يقين لا يطلب من أحد أن يشاركه. كان آدم قد سأل ليان عنه مرة، فأجابه ليان بنبرة من يصف طقساً لا يخصه:

«هؤلاء لا يبيعون ولا يشترون. لا تجد لهم طرفاً تمسكه. اتركهم.»

لم يفهم آدم الجملة يومها. سجّلها فقط.

صار يسجل كثيراً.

وصلت الموجة الحادة الرفيعة قبل موكا.

ثم ظهر الصبي فوق حافة قريبة من الرصيف، واضعاً يديه خلف ظهره كمدير وردية أو نوبة عمل.

«ستحضر اليوم.»

نظر إليه آدم.

«أهذه دعوة أم أمر؟»

«تحذير اجتماعي.» جلس موكا بلا إذن. «الدعوة فيها احترام زائد. والأمر يحتاج سلطة. وأنا لا أثق بالسلطات إلا إذا كانت مضحكة.»

لم يستطع آدم منع فكرة الابتسامة.

«ظننتك تكره الحلقات.»

«أكره مندوبيها.» قال موكا. «تحضر جلستين وتقول رأيك، فتجدهم في أعقابك أسوأ من رسالة صوتية مسجلة. الذهبيون يبيعونك الجدار. الزرق يبيعونك الباب المغلق من الداخل. البنفسج يبيعونك الأذرع. الخضر يبيعونك المسطرة. وكلهم يظنون أنهم اكتشفوا الموت قبلك.»

«وما المختلف اليوم؟»

خفض موكا صوته، وهو لا يخفض صوته عادة.

«"ألفي"، العجوز ذو المنامة الزرقاء سيرحل.»

تذكره آدم. الرجل الذي سمعه في دائرة سابقة يقول إنه لا يعرف إن كان هذا المكان حياة أخرى لأن ذاكرته لا تحمل ما يكفي لاختبار المعنى. رجل بملامح أوضح مما ينبغي، وبمنامة منزلية زرقاء براقة، كأن الموت انتزعه من غرفة نومه قبل أن يسمح له بتغيير ملابسه.

«اختار فصيلاً؟»

«يبدو كذلك. الأزرق يبتسم له منذ دورتين. ابتسامة سمك بارد.»

«وأنت تهتم؟»

هز موكا كتفه.

«لا أهتم. لكنني ألاحظ. يوجد فرق. ثم... هناك ضيف.»

«ضيف؟»

نظر موكا إلى طرف المرفأ حيث يرق الرمادي باتجاهٍ لا يستريح له آدم.

«من النوع الذي لا يعود من يمشي خلفه.»

ثم عاد يعدّ شيئاً في الهواء، كأن العدّ نفسه عقدة صغيرة يربط بها يومه.

حين انعقدت الحلقة، كان العجوز "ألفي" في وسطها.

كان أهدأ. أثقل. كأن شيئاً تحته صار أرضاً. الأزرق الجليدي يقف خلفه، لا يلمسه، يكتفي بالحضور كمن لا يحتاج إلى إقناع المقتنع.

«قرّرت.» قال ألفي.

لم يتحرك أحد. في هذه الحلقات، كلمة كهذه تكفي لتجعل الضباب نفسه يصغي.

وأكمل:

«لا أملك ذكريات كافية لأحكم. أملك مرساة واحدة استعدتها: أن أختار.»

«إن كانت هذه وحدة، فهي وحدة اخترتها.»

سألت امرأة قصيرة الشعر من الطرف الآخر:

«والوحدة تكفي؟»

عرفها آدم. سوزي. رأى خيطها من قبل في حلقة أخرى. كانت تتحدث كمن لا يثق بالكلام، لكن جسدها، أو ما يحل محل الجسد، يميل دائماً نحو الدفء البنفسجي حين يقترب.

نظر إليها العجوز.

«تكفيني أنا. أنتِ لا تشبهينني. أنتِ تثقلين حين تُتركين. اذهبي إلى من يحملونك وتحملينهم.»

لم ترد سوزي. لكن آدم رأى خيطها يميل قبل قرارها.

هكذا إذن.

لا أحد ينجو بالعقيدة الصحيحة.

ينجو بعقيدة تناسب وزنه.

الذهبي لم يعجبه أن يمر الكلام دون أن يمر عليه.

«الوقوف وحدك ترف يا عجوز. أول ضغط حقيقي، ستبحث عن جدار. نحن الجدار.»

رفع الأخضر نظره للمرة الأولى.

«أنتم الجدار الذي يسقط على من خلفه حين يُهَزّ.»

لم تكن الجملة دفاعاً عن العجوز. كانت قياساً.

البنفسجي قال بهدوء:

«والجدار، أحياناً، أفضل من العراء.»

الأزرق ابتسم.

«وأحياناً العراء هو المكان الوحيد الذي لا يطلب منك أن تشكر من حبسك.»

لم يتدخل الرمادي. كان على الطرف الأبعد، أو لم يكن موجوداً بالمعنى الذي يكون به الآخرون. عيناه على نقطة لا تتغير. لم يبع شيئاً. لم يقاوم شيئاً. بدا كاملاً بطريقة لا تطلب شهادة من أحد.

آدم راقبهم جميعاً.

لم يرَ مذاهب.

رأى طرقاً مختلفة لعدم السقوط.

ثم بَرَد الهواء.

لا ريح في المرفأ. لا هواء أصلاً، إلا ما يتذكره القادمون لكي لا يصابوا بالجنون. لكن الضباب ازداد كثافة. والألوان الأربعة خفتت معاً، كأن كل سوق عرف أن بضاعته أُغلقت للحظة.

دخل الضيف.

توقيعه لم يكن لوناً، ولا غياب لون.

كان طرحاً للون.

حيث مرّ، بدا ما حوله أبهت قليلاً، كأن حضوره لا يضيف إلى المكان بل ينقص منه. عرفه آدم قبل أن يكتمل وجهه. رآه مرة عند حافة السوق، ملامح وزي أقرب لكاهن بسيط. صوتاً سمّى التلاشي «عودة»، وعرض على من تعبوا من حمل أنفسهم أن يكفّوا عن التظاهر.

الآن له هيئة.

أو ما يكفي من هيئة ليصغي إليه الناس.

لم يدعُ أحداً في البداية.

حكى.

«قبل أن يكون شيء، كان هناك توازن.»

صوته لم يكن مخيفاً. كان هادئاً، مرتّباً، مريحاً كوسادة موضوعة تحت رأس من لا يريد أن يقوم.

«لا مادة ولا ضدها. لا اسم ولا حامل للاسم. احتمالان يتقابلان، يلغي كل منهما الآخر، فلا تبقى ديون. لا فائض. لا جوع. لا خوف من الفقد، لأن لا شيء يبقى بما يكفي ليفقد شيئاً.»

سكت. ترك الصمت يعمل.

«ثم اختل شيء. فائض ضئيل. واحد في عدد لا يُنطق. شيء كان يجب أن يعود، ولم يعد. ومن ذلك التغيير الصغير، من ذلك الفائض الذي نسى أن يفنى، جاء كل هذا: النجوم، الأجساد، الذاكرة، الضباب، أنتم.»

لم يقل أحد شيئاً.

بعض الحاضرين كانوا مأخوذين بجمال القصة. وبعضهم بجمال النهاية التي تعد بها.

تابع:

«نحن لا نكره الوجود. الكراهية تحتاج جهداً. نحن نتذكر ما قبله. ونعرف أن كل هذا التماسك الذي تتعبون في حمله ليس انتصاراً. إنه تأجيل. الدين يُسدّد دائماً. نحن فقط لا نخاف موعد السداد.»

شعر آدم بشيء في صدره يميل نحو الكلام.

كان الكلام أنيقاً، مريحاً أكثر مما ينبغي. مثل وجه جاهز في السوق، لكنه يُباع بالعكس: لا يملأ الفجوة. يقنعك أنك أنت الفجوة، وأن الرحمة أن تُغلَق.

رفع الأخضر يده.

لم يكن السؤال تحدياً. كان محاولة لقياس سطح لا يحب القياس.

«كيف تعرف؟»

التفت إليه الضيف.

«لأن كل ما هنا يسقط حين يتعب من حمل نفسه.»

«هذا وصف للنتيجة، لا دليل على الأصل.» قال الأخضر. «روايتك جميلة. الجميل ليس دليلاً. أنت تحكي بداية لم يشهدها أحد، وتطلب أن نموت عليها.»

ابتسم الضيف.

كان في ابتسامته فراغ مهذب.

«لا أطلب أن تموتوا. أقترح أن تكفوا عن التظاهر بأنكم أحياء.»

لم يرد الأخضر.

لا لأنه اقتنع. لأن الجملة لم تكن تُناقش. كانت تُحمل أو تُترك.

قام ثلاثة.

لم يكونوا الأضعف في الحلقة. هذا ما أزعج آدم. لم يكونوا المذعورين، ولا المتصدعين، ولا الذين يتوسلون ذاكرة. كانوا هادئين. فيهم نوع من الهدوء الذي لا ينتج عن السلام، بل عن نفاد الأسباب.

مشى الثلاثة خلف الضيف نحو حيث يرق الرمادي.

لم يلتفت أحدهم.

لم يودّعوا.

«لن يعودوا.»

قالتها أمينة من خارج الحلقة.

لم تكن جالسة معهم. كانت تربط حبلاً عند حافة قريبة، كعادتها، تسمع كل شيء. لم ترفع رأسها.

«كل بضع دورات، يذهب بعضهم إلى هذه الرحلة. لا أحد منهم عاد ليقول إن كان على حق. وهذا وحده يكفيني.»

سأل آدم:

«وإن كان على حق؟»

شدّت عقدة.

«إن كان على حق، فلا فرق أن أصدقه الآن أو لا. وإن كان مخطئاً، فقد ربحت دورة.»

ثم مدت طرف الحبل إلى وافد جديد كان يحدّق في البعيد.

«أمسك ما يمكن إمساكه. اترك ما لا طرف له.»

لم تكن الجملة له وحده.

عرف آدم ذلك.

انتهت الحلقة كما تنتهي الحلقات: لا باتفاق، بل بنفاد سبب البقاء.

وقف العجوز ذو المنامة الزرقاء مع الأزرق الجليدي. لم يكن ذاهباً خلفه. كان يمشي بجانبه، وهذا فرق لاحظه آدم. سوزي بقيت في مكانها بعد انفضاض الناس، ثم انتقلت خطوة واحدة نحو البنفسجي. خطوة واحدة فقط. لكنها، في هذا المكان، كانت إعلاناً.

آدم كان لا يزال ينظر إلى المواضع التي جلس فيها الملوّنون حين تغيّر طرف المرفأ.

ارتطام.

لم يعرف آدم، في اللحظة الأولى، أين ارتطم الشيء. لا جدار في المرفأ، ولا بحر له شاطئ، ولا سقف يمكن أن يهتز. ومع ذلك انخفض المكان كله نصف درجة، كأن أرضه قبلت وزناً لا يخصها.

أمينة شدّت عقدة قبل أن تنظر. ليان ترك جملته في منتصفها. الأخضر الذي كان يجادل الضيف سكت ووجّه تركيزه نحو طرف المرفأ.

موكا توقف عن العدّ.

«ليست دفعة.»

لم يسأله آدم ماذا يعني. رأى الكلمة تتحول في وجوههم قبل أن تصل إليه. ليست حادثة عابرة. وليست وردية عمل ازدحمت قليلاً.

من ناحية الاستقبال، حيث يُفرَز الوافدون الجدد قبل أن يصلوا إلى المرفأ، صار الضباب أثقل. لم يقترب كطابور. تكثّف كجبهة واحدة: وجوه نصف مكتوبة، وأصوات لا تزال تظن أن لها أفواهاً.

أمينة تركت الحبل.

وهذا وحده جعل آدم يفهم أن ما حدث ليس عادياً.

تحركت أمينة أولاً. كان انتقالاً غاضباً. ليان ظهر من باب جانبي من قلب الضباب. موكا شتم بكلمة لم تصل كاملة إلى آدم، ثم تبعهما.

وآدم تبعهم.

لم تعد الحلقة خلفه نقاشاً عن العقيدة الصحيحة.

كانت تمريناً على ألا يسقط.

والآن جاء ما يقيس من بقي واقفاً.

***