تم استلام بيانات جديدة من النظام.
في ممر التعافي القريب من المرفأ.
لم يعرف آدم لماذا عاد إلى هنا. الصيغة التي خرج بها من الورشة لم تجعله يريد العزلة. جعلته يريد أن يرى أناساً يطبّقونها دون أن يعرفوا اسمها.
«كيف أصل إلى المرفأ من...»
برزت فكرته، وقبل أن تكتمل، وجد الممر ينحني به داخل الضباب.
وظهر المرفأ.
لم يكن قد التأم بعد.
ما زال عامراً بالحركة. ملامح أوضح، ملابس متنوعة.
في الموضع الذي وقف فيه سليم سابقاً، بقي فراغٌ على هيئة واقف، لم يجرؤ أحد على ملئه. الرصيف الأخضر مشروخ عند طرفه، يتبخّر قليلاً ثم يعود كلما مرّر عامل يده فوقه. حبل أمينة ما زال مشدوداً بين عمودين.
موكا جالسٌ على حافةٍ لا تحمل غيره، ما زال يعدّ شيئاً في الهواء.
«تأخرت.» قال دون أن يرفع رأسه. «فاتك أن أمينة كادت تطرد وافداً إلى الحافة لأنه سألها إن كانت هذه هي الجنّة.»
«وما الذي منعها؟»
«لأنه بكى أولاً. أمينة لا ترمي من يبكي. ترمي من يجادل.»
ضحكته خرجت موجةً حادة، قصيرة، ثم انطفأت كأنها لم تكن.
عند الرصيف، كان ليان يمرّر يده فوق وافدٍ مرتجف، لا يلمسه، يقيس شيئاً لا يُرى. وجهه لم يتحرّك.
«إحساسه متقطّع.» قال ليان لأمينة، بنبرة من يقرأ فاتورة. «يصل ثم ينقطع. كأن أحداً يطفئ المصباح كل ثانيتين.»
«إذن أبقِه بعيداً عن الحافة.» قالت أمينة. لم تنظر إليه. كانت تربط عُقدةً في الحبل. «من ينطفئ عند الحافة لا يعود.»
ثم وصلت فكرة أمينة التالية، لا إلى أحد بعينه:
«الاسم وحده خفيف. لا يحمل صاحبه.»
وشعر آدم، بشكل ما، أنها موجهة إليه.
ظلت فكرة أمينة عالقة في وعيه. أغمض ما اعتاد أن يسميه عينيه.
وحين فتحهما، للحظةٍ أقصر من أن تُقاس، اختفى الضباب.
وحلّت محله خيوط.
لا أشخاص. وصلات. خطوط رفيعة من ضوءٍ باهت تربط كل ظلٍّ بآخر. لمحة. اختفت. لمحة ثانية. عادت أوضح.
الذين ظنّهم سكاناً صاروا عُقَداً.
موكا، العقدة الأكثر إثارةً للسخرية في المشهد، كان موصولاً بكل شيء حوله بخيوطٍ سميكة، واثقة، بلا أيّ خيطٍ واهن. نمطٌ يتشبّث بشيءٍ تافهٍ إلى حدّ أن لا أحد، ولا الحافة نفسها، يملك أن ينتزعه منه. التفاهة لم تكن ضعفه. كانت سرّ صلابته.
يتماسك حول أقل شيء في العالم. ولهذا لا شيء يهدّده.
وأمينة.
خيوطها لم تكن خيوط قوانين. كانت خيوط حاجات؛ وافد عند الحافة، رصيف يتشقق، عامل يعود متعباً، صمت لا بد أن يُفهم قبل أن يسقط صاحبه. لا تحكمهم. تحملهم.
ثم رأى الخيط الواهن.
عند الحافة. الوافد المرتجف. الخيط الذي يفترض أن يربطه بالمكان كان شفافاً تقريباً، يكاد لا يكون.
وفي طرفه الآخر...
لا شيء.
اقترب آدم.
«ليان. الخيط الذي يحمله لا يصل إلى شيء.»
رفع ليان حاجباً واحداً. لم يكن يرى ما يراه آدم، لكنه لم يكذّبه أيضاً.
«تقصد أنه لا يؤمن بشيء؟»
«أقصد أنه لا يؤمن بشيءٍ يكلّفه.»
نظر آدم إلى الوافد.
وجهٌ يومض. يدٌ تمتدّ كل بضع لحظات نحو شيءٍ ليس هناك، ثم يدور إبهامه فوق بنصره، كأنه يبحث عن خاتم لم يرسمه المكان. كلما انطفأ، عادت الحركة من بدايتها. يدٌ تنتظر أن يُوضع فيها شيء. إصبعٌ ينتظر وعداً.
لم يكن يتصدّع من الخوف. كان ينطفئ من الفراغ. انتظر طوال حياته أن يُمنح المعنى. والآن، حيث لا يُمنح المعنى، لم يكن في يده ما يمسكه.
عرف آدم الشعور. عرفه من السوق. الفارق أنه هو رفض. رفض أن يشتري وجهاً جاهزاً، ودفع ثمن الرفض فراغاً. هذا الوافد لم يرفض شيئاً قط. لم يكن لديه ما يرفضه.
مدّ آدم يده.
«انتظر. سأريك كيف...»
«لا.»
صوت أمينة. حادٌّ، مسطّح، بلا قسوة.
«اجلس قبل أن تقع. أنت ترى عُقدته. لا تملك أن تعقدها.»
«أستطيع أن أعطيه...»
«لا أحد يُعطي أحداً ثباته. لو كان الثبات يُوهَب، لكان السوق صادقاً.»
ومدّ الوافد يده مرة أخيرة، نحو لا شيء، ولم يجد فيها شيئاً.
ثم خفّ.
ليس بعنف. كما يخفّ وعدٌ حين يتوقّف الجميع عن طلب أن يُحفظ. انزلق عن الرصيف نحو الرمادي البعيد، حيث المساحة منخفضة بما يكفي لأن يسقط فيها من بلا ثِقَل.
لم يصرخ أحد. ليان أدار وجهه الذي لا يتحرّك. أمينة عقدت عُقدةً أخرى.
«لماذا لم نوقفه؟» سأل آدم، وفيه شيء يرفض.
«لأن من تمسكه بالقوة، يسقط حين تتعب يدك.» قالت أمينة.
ثم شدّت الحبل بين يديها، كأن الجملة تحتاج إلى عُقدة.
«نُمسك من يمسك شيئاً في نفسه. من لا يمسك شيئاً... لا يبقى في يد أحد.»
كان ذلك أبشع درسٍ تلقّاه منذ مات. وأصدقه.
أيمكن أن تكون بلا خطيئة... ولا يبقى منك شيء؟
ثم تبدّل الضغط.
لا صوت سبقه. الظلال في المرفأ تباعدت قليلاً، كأن الأرض مالت تحت ثِقَل لم يصل بعد. موكا توقّف عن العدّ. حتى حبل أمينة بدا أنه شُدّ وحده.
مايك.
ظهر كأن المكان تذكّر أن له قاعاً. ثقيل. بطيء. نادر. حيثما وقف، صار الرصيف تحته أصلب، والخيوط حوله أوضح.
نظر إلى حيث انزلق الوافد. ثم فعل شيئاً.
لم يمدّ يداً. لم يقل تعويذة. ركّز انتباهه على الظل المنطفئ، وحده، ولوهلةٍ عاد الوافد البعيد أثقل، أوضح، أصلب، كأن نظر مايك أعطاه وزناً لم يكن يملكه.
لوهلة.
ثم رفع مايك انتباهه، فعاد الوافد إلى انطفائه، وتابع سقوطه.
«كان بإمكانك أن تُبقيه.» قال آدم.
«كان بإمكاني أن أؤخر سقوطه.» قال مايك. «دورة واحدة، ربما.»
«لكنك لم تفعل.»
«فعلت.»
قالها بلا دفاع. بلا أسف يصلح أن يمسك به آدم.
«أنت لا تردم فراغاً بنظرة. إن حملته أنا، سقط حين أتركه. وإن لم أتركه، صرتُ أنا مرساته. وهذا لا ينقذه. يعلّقه فقط.»
نظر آدم إلى الخيوط الخضراء الباهتة التي تتخلّل المرفأ كلّه، الخيوط التي تُبقي الرصيف رصيفاً.
«وأنتم؟ المهندسون؟ هذه الخيوط... أنتم؟»
«لا.» قال مايك، بنفاد صبرٍ قديم، كأنه صحّح هذا الخطأ ألف مرة. «هذه يتعهّدها أصحابها. سكانٌ جعلوا من الإجراء عبادةً صغيرة. نحن لا نملك المرفأ.»
«إذن ماذا تفعلون؟»
نظر إليه مايك. وللمرة الأولى بدا الثِقل الذي يحمله جزءاً من الجواب، لا من حضوره.
«نجعلك ثقيلاً بما يكفي لتبقى. حين قستُ تباينك في أول يوم، لم أكن أقرأ رقماً كما تقرأ حرارة. كنت أضع عليك وزناً. صرتَ أوضح لأن شيئاً ثقيلاً التزم بقراءتك. هذا ما نفعله. قليلون نحن، لأن قليلاً من الأشياء ثقيلٌ بما يكفي ليمنح غيره ثِقلاً.»
لهذا تتباعد الظلال حين يأتي. خطرت الفكرة لآدم.
«انظر الآن.» قال مايك.
«وأنا بجانبك. ترى ما لن تراه وحدك.»
ولأن المهندس بجانبه، اتّسع نظر آدم. شعر أنه يرى من الأعلى.
المرفأ صار عقدةً صغيرة في شبكةٍ أكبر مما احتمل من قبل. ما رآه في السوق وجوهاً متفرّقة، رآه الآن عُقَداً في نسيجٍ واحد. عند الأفق، ظلالٌ ثقيلة تجرّ خيوطاً شفافة، تنحدر ببطء إلى حيث لا يُسأل الساقطون عن أسمائهم. والحلقة المغلقة التي مر بها، تلك التي تتشارك دفئاً واحداً ولا تترك ولا تستقبل، صارت عقدةً بنفسجيةً تنبض بإيقاعٍ واحد؛ كثيرون صاروا واحداً.
وفوقها، عقدةٌ تحترق أنصع من كل ما حولها.
ذهبية. ثقيلة. منها خيوطٌ تنزل إلى كياناتٍ أعتم، تدور حولها دون أن تختار الدوران.
«وتلك؟»
«ثباتٌ عالٍ.» قال مايك، بلا نبرة. «لا يعني بالضرورة ما تتمنّى أن يعنيه.»
شعر آدم بالجذب. من هذا البُعد. نمطٌ نَظّم آخرين، بنجاح، بلا فجوة. لا يحتاج أن يتكلّم. صلابته هي حجّته.
شعر بالانجذاب، ثم ضبط نفسه وهو ينجذب.
تذكّر جملة مايك في الغرفة البيضاء: تماسكه أعلى من رجلٍ طيّبٍ يمزّقه تناقضه.
في الغرفة كانت جملة. الآن صارت ضوءاً يسحبه.
وفي مسحه، وقعت عينه على عقدةٍ يعرفها.
عرفه قبل أن يفهم لماذا يعرفه. الكيان الذي رآه في الساحات، ذاك الذي تدور حوله هندساتٌ صغيرة كأنها أقماره. من هذا العلوّ، توقيعه صارخ: كثيف، مكتفٍ بذاته، غير موصولٍ بأحد، ولا يبدو أنه يفتقد الوصل. صلابةٌ تامة. علاقة معدومة. يحترق ساطعاً ووحيداً.
لاحظه آدم.
ولم يقل شيئاً.
«لماذا أشعر أن لدي أسئلة كثيرة، لكنني لا أجدها؟»
«لأنك ترى قبل أن تملك أسماء ما ترى.»
فكر آدم في الكلمات. ثم قال:
«أليس هذا ذاكرة؟»
«ليس صندوقاً.» قال مايك. «طريق. أنت لا تخزّن هنا، يا آدم. تصل أحياناً. الفرق صغير في الكلام، وقاتل في العمل.»
ثم...
ضغطٌ آخر.
صار الضباب ثقيلاً. الضجيج الخلفي الذي رافقه منذ بداية رحلته في هذا المكان، توقّف تماماً. لأول مرة، صمتٌ كامل.
وفي الصمت، شعر أنه مرئيّ. أن شيئاً كثيفاً، قديماً، أقدمَ من أن يُتخيّل، يعرف أنه هنا.
حاول، بلا وعي، أن يوجّه نظره نحوه.
«لا.»
تخاطُر مايك جاء حادّاً، أسرع من المعتاد.
«لا تسمّهم الآن. ولا تحاول النظر.»
خطر الاسم إلى وعي آدم:
«الأسلاف؟»
«كلمة صغيرة على شيء لا يهمّه اسمك.»
لم يُكمل.
لم يكن عليه أن يُكمل. الثقل في الهواء أكمل عنه. شعر آدم أن كل شيء تجمد تماماً للحظة... أو لعُمرٍ كامل.
ثم رُفع الضغط. عاد الضجيج. عاد الضباب إلى خفّته. آدم لم يكن قد تحرّك، ومع ذلك شعر أنه نجا من شيء.
«ظننتُ...» قال، وصوته خافت.
«ظننتُ أن الموت يترك الهرم خلفه. من فوق ومن تحت. ظننته يساوي بيننا.»
«لا.» قال مايك. «هناك وُلدتَ في خانة. هنا تصنع خانتك، أو تأتي بها معك، ثم تدفع كلفتها. لا أحد يبدأ من الصفر. حتى من يظن ذلك.»
لم يكن ذلك عزاءً. ولم يُقصد به أن يكون.
أشار مايك إلى الأسفل.
تحت كل الخيوط، بوابةٌ ضخمة تنبض بالأخضر. أنهارٌ من القراءات تصبّ فيها كأنها تصبّ في فمٍ واحد.
«كل ما تراه يحتاج وقوداً. الثبات وحده لا يبني. من هناك نستخرج ما يكفي لكي لا ينهار كل هذا.»
لكنه لم يتحرّك. والبوابة بقيت بعيدة.
وشيءٌ في آدم عرف أنه ليس مستعداً لعبورها الآن. أن النظر إليها درس، وأن دخولها درسٌ آخر لم يحِن.
«لماذا تريني كل هذا؟» سأل.
«لأنك رأيت خيط الوافد قبل ليان. رأيت أين انقطع، لا كيف بدا عليه. السكان يرون ما يريدون: وجوهاً، ماضياً، عزاءً. عقولهم تصحّح الصورة وتمضي. أنت لا تصحّح.»
صمت.
«هذا يعني أنك تحمل بصمة... الأرشيفيّ. من يرى الهيكل دون أن يتلوّث به.»
لم تكن وظيفةً تُمنح.
كانت قراءةً تُعترف بها.
أدار مايك ثِقله نحو البوابة البعيدة، وترك الجملة معلّقة، ومضى في الضباب حتى تباعدت الظلال خلفه ثم عادت تقترب.
تراجعت الشبكة كما يتراجع ضوءٌ حين يُغلق بابٌ ببطء.
لكنّ الحافة التي انزلق منها الوافد بقيت في نظره. لم يكن قد عرف اسمه. لم يكن هناك اسم. ومع ذلك تركه ذلك ثقيلاً، كأن شيئاً كان عليه أن يُحفظ فلم يُطلب منه أن يُحفظ.
حاول أن يسترخي في موضعه. ومن باب الفضول، أن يستعيد النظر الجديد. أن يرى خيوط نفسه.
رآها.
خيطٌ إلى مايك، حديثٌ وثقيل. خيطٌ إلى راف، أقدم. خيوطٌ رفيعة إلى المرفأ، إلى موكا، إلى أمينة، التي تربط الحبال ولا تدّعي سلطة.
وفي مركزه، حيث يجب أن يكون أثقل خيط، لم يكن هناك خيط.
كان ثِقَلاً بلا خيط. جاذبيةً لا يرى لها طرفاً آخر. نمطٌ يشدّه نحو أحدٍ لا تُريه شبكته. وجهٌ لا يكتمل. دفءٌ يرفض أن يصير صورة.
كل خيطٍ آخر له طرفان. هذا الثِقَل وحده بلا طرفٍ يُمسَك. لا يستطيع أن يضعه على طاولة السوق كما تُوضع رائحة المطر. لا يُقايَض. لا يُسلَّم. يُحمَل فقط.
الهيكل الذي يرى كل شيء، لم يستطع أن يرسم هذا.
لم يفسّره. تركه ثقيلاً، كما هو.
ولأول مرة، شعر بشيءٍ يشبه السلام. ليس سلام الاستسلام. سلام الغاية. لم يكن قد فهم المكان، لكنه توقّف عن انتظار المكان أن يخبره من هو، كما انتظر الوافد حتى انطفأ.
نظر إلى الحافة التي صنعها تحت يده في الورشة، والتي يستحضرها، وتبقى ما دامت يده عليها.
الواقع ليس ما تراه.
بل ما تستطيع أن تُبقيه قائماً حين لا يراه أحد.
شعر بالموجة الحادة الرفيعة التي أنبأت بظهور موكا. وفي أعقابها ظهر الصبي.
«اهتمام الرجل ذي الأرقام بك أمر جديد عليّ.»
حاول آدم أن يستوعب الفكرة.
«هل تشعر أنك هنا منذ فترة طويلة؟ هل لديك أي شعور بالوقت؟»
«لا أستطيع التأكد. لكنني هنا بما يكفي لأعرف سكان المرفأ، وتجولت إلى أطراف السوق، ولكن أمينة منعتني من الدخول أكثر من مرة.»
«خيرٌ لك ألّا تحاول.»
هزّ موكا كتفه، كأن المنع كان مجرد رأي إداري سيُراجع لاحقاً.
ثم قال:
«هل تصدق أنك ميت يا آدم؟»
«أنا لا أعرف ما أصدقه بعد. لكن هذه لا تبدو لي ما اعتدت أن أسميه حياة.»
«في إحدى نوبات المرفأ، قال سليم إن الناس تخيلوا الموت محكمة.»
«ماذا كان يقصد؟»
أجاب موكا بنبرة جادة أكثر مما يناسبه:
«خير وشر. نور وظلام. ملائكة وشياطين. ثم جاء الضباب بلا قاضٍ، وبلا مطرقة، وبلا أحد يشرح لماذا يقف الطيب والخبيث على الرصيف نفسه.»
توقّف قليلاً، كأنه يبذل جهداً أكثر ليتذكر.
«كان يقول إن البعض يسمّيه نسيجاً، والبعض يسمّيه صمتاً. أسماء كبيرة لشيئين بسيطين: شيء يشدّك كي تبقى، وشيء ينتظر أن تكفّ عن حمل نفسك.»
دخل الاسمان إلى وعي آدم ككلمتين سمعهما في ممر لا يعرف بابه.
حاول أن يتجاوب مع موكا، بحذر.
«وماذا عن وصف المحطة؟ ألا يعني ذلك أنها مرحلة انتقالية أو مؤقتة؟»
جاءته الإجابة من راف هذه المرة. وصل دون تمهيد، كعادته:
«لا تبحث عن إجابة شافية هنا. اسمعهم أولاً.»
وقبل أن يستدير آدم إليه، شعر بالضباب يفتح ممراً قصيراً، أو بأن المرفأ غيّر موضعه حوله.
وجد نفسه جالساً قرب دائرة في وسط الرصيف. لم تكن حلقة درس. أقرب إلى نوبة انتظار يعرف أصحابها أنهم لن يخرجوا منها باتفاق. لمح أمينة وليان ووجوهاً أخرى، رآها أو شعر أنه رآها من قبل.
«طالما لا أتذكر بماذا آمنت، فهذه ليست الحياة الأخرى.»
صدرت الفكرة عن رجل جالس على يمينه. ملامحه واضحة أكثر مما ينبغي: شعر طويل ولحية، كلاهما أبيض كالثلج، ومنامة منزلية زرقاء براقة، كأن أحداً انتزعه من غرفة نومه قبل أن يسمح له حتى بتغيير ملابسه.
«قد تكون مرحلة مجهولة.»
برزت الفكرة من الطرف الآخر للدائرة، ولم يتبيّن صاحبها.
«ليست روحاً. قد تكون الروح في مكان آخر، إن كانت الروح حقيقية أصلاً.»
فكرة ثالثة، من ظل لم يلتفت:
«قد يكون اختباراً. لكن أي اختبار هذا بلا ذاكرة، وبلا جسد؟»
توالت الأفكار كعبارات قصيرة. لا يبدو أن هناك ترتيباً محدداً للحوار، لكن كل واحد منهم يعرف متى يتكلم، ومتى يترك جملته دون تعقيب.
قرر آدم أن يستمع.
«أظن أنني من النوع الذي يواصل الطريق، مهما كان شكله. محطة أو مُستقر. لكل منا دور، حتى لو لم يعرفه.»
صدرت الفكرة هذه المرة عن امرأة في طرف الدائرة إلى يسار آدم. شعرها قصير. قامتها طويلة. لم تتضح ملامحها.
تكلّمت أمينة بعدها:
«كما قالت سوزي، كلنا وجدنا أنفسنا في أوضاع مشابهة، في دورة ما. بعضنا بقي لدورات عديدة، وبعضنا لم يبق. البعض اندمج في مجتمعات. البعض انعزل. البعض هام على وجهه. البعض خرج ولم يعد. البقاء له ثمن، لكن الاستمرار... أو حتى العبور لمن يؤمن به، متاح.»
قال ليان، من مكان لم ير فيه آدم وجهه:
«العقيدة الرئيسية عند كثيرين بسيطة: نثبت ما آمنا به، فينفتح طريق. لكن الذين اختفوا لم يعودوا ليصححوا الجملة. والمهندسون والرعاة يملكون عادة مزعجة: إن عرفوا، لا يجيبون.»
بحث آدم عن راف، فلم يجده. بقي أثر حضوره فقط، مثل خط مستقيم رُفع من الرسم.
وقرر آدم أن يشارك:
«الكثير من التفاصيل لا يبدو منطقياً. لكنني لا أملك ذاكرة أختبر بها المنطق. لدي شعور فقط. شيء فيّ يقول إن ما يحدث حقيقي. وأن له قواعد. وربما نهاية يمكن فهمها.»
شعر بإيماءات وذبذبات صوتية توحي بالتأييد. وبدأت الحلقة في الانفصال، كأن عبارته لم تنه النقاش، بل منحتهم سبباً كافياً لتأجيله.
قرر آدم أن يجول في المرفأ مرة أخرى.
انتقل إلى الطرف الآخر من الرصيف، صاح وافد جديد. شدّت أمينة الحبل. عاد ليان إلى العمل. موكا لم يلتفت، كأن هذه الأصوات صارت جزءاً من الطقس.
ظهر راف. كان آدم يتوقعه.
«إن كانت محطة، يا آدم...» قال، ثم نظر إلى البوابة الخضراء البعيدة. «فالمشكلة ليست في الانتظار.»
تبع آدم نظره.
للمرة الأولى، لم تبدُ البوابة باباً إلى درس جديد.
بدت محطة كاملة، تعمل.
لا تنتظر الموتى.
تُشغّلهم.
انتهى الفصل الثالث