SCENE: SCENE_03

بداية الفهم، معادلة الوجود

بداية الفهم، معادلة الوجود
0:0032:02

الفصل الثالث

مشهد 3: بداية الفهم، معادلة الوجود

حافة السوق. بقي آدم عند طرف اللسان الضبابي حتى انصرف البائعون عنه. لم يوبخوه. لم يندهشوا حتى من رفضه. التفتوا ببساطة إلى جائع آخر دخل الحافة، ورفعت الأيدي شظايا حمراء جديدة، بوجوه لا تخص أحداً وبوعود تصلح لكل أحد.

السوق لا يحتاج أن يقنعك. يكفي أن ينتظر اللحظة التي تصير فيها أنت حجته.

أغمض آدم عينيه.

«النية وقود.» قالها بصوت منخفض. «والخوف ضريبة. لا أدفعها الآن.»

لم تكن تعويذة. لم يثق بالتعاويذ. كانت محاولة بدائية لبناء شيء ثابت داخل نفسه قبل أن يلمسه المكان مرة أخرى.

النمط في داخله لم يهدأ. رفض أن يبيعه، لكن رفض البيع لا يملأ الفراغ. بقيت هناك: شكل بلا وجه، وجع بلا معلومة، دفء قديم يرفض أن يتحول إلى صورة مزيفة.

طي.

هذه المرة لم يكن الطي سقوطاً.

كان أقرب إلى أن يفتح أحدهم مسار خدمة في جدار لا باب فيه.

وصل إلى ممر ضيق سماه وعيه، ممر التعافي.

الاسم لم يكن مكتوباً في مكان واضح. كانت هناك لافتة مكسورة معلقة فوق بداية الممر، لا تحمل كلمة كاملة، بل سهماً أخضر ونصف عبارة: «... أقل تشتتاً». ومع ذلك فهم آدم وظيفة المكان قبل أن يفهم اسمه. المشاعات خلفه كانت واسعة ومسطحة ومصقولة أكثر مما ينبغي. هذا الممر كان عكسها: ضيق، مستعمل، تخدشه آثار أقدام لا أقدام لها، وتظهر على جداره خطوط خضراء خافتة كخياطة رديئة في قماش رمادي.

مرّت بجواره مجموعة تحمل أوعية فارغة. لم تكن الأوعية من معدن، ولا من زجاج. كانت أشكالاً من اتفاق: إناء لأن أربعة منهم توافقوا أنه إناء.

ومجموعة أخرى عادت من جهة السوق وهي تحمل فتاتاً أحمر في ملاقط طويلة. الشظايا تتحرك في الملاقط كأنها تريد أن تجد يداً.

«ماذا تفعلون بها؟» سأل آدم.

لم يتوقف أحد. لكن الفكرة وصلت إليه من امرأة رمادية الملامح، بلا قسوة وبلا ترحيب:

نحرق ما لا يصلح للتداول.

«حتى هنا توجد رقابة جودة؟»

التفتت إليه هذه المرة. في عينيها أثر ضحكة قديمة.

«حتى هنا توجد قمامة.»

واصلت طريقها.

كلمات عمل. لا فلسفة. نفايات. ملاقط. مسار خدمة. أشياء كان يمكن لآدم، قبل أن يموت، أن يراها في مستشفى أو محطة قطار أو معمل كبير لا ينام. الفرق الوحيد أن العمال هنا لا يلمسون المادة. كانوا يلمسون معنى الأشياء حتى تبقى أشياء.

عند منعطف الممر رأى ثلاثة كيانات تقف حول مقعد مكسور. لم يكن المقعد موجوداً إلا حين تضع الثلاثة أيديها عليه في الوقت نفسه. كلما رفع أحدهم يده، صار المقعد دخاناً. كلما أعادوها، عاد المقعد.

«لماذا لا يثبت وحده؟»

قال أحدهم دون أن يرفع رأسه:

«لأن صاحبه كان يكذب كثيراً.»

لم يفهم آدم إن كانت مزحة أم تشخيصاً. في الضباب، بدأ الفرق بينهما يضيق.

انفتح الممر بعد ذلك على المرفأ.

أو على بقايا معركة.

الرصيف الأخضر لم يعد رصيفاً كاملاً. حوافه تتبخر. مواضع منه غائرة كأن أحدهم ضغط أصابعه في طين ساخن. حيث كان سليم، بقي فراغ على هيئة وقوف. حيث ابتلع السواد الكيان الآخر، بقيت بقعة لا لون لها؛ ليست سوداء، بل أقل من اللون.

حبل أمينة كان ممدوداً بين عمودين، لا ليمنع الدخول، بل ليجبر الداخلين على المرور ببطء. موكا جالس على طرف حافة لا تثبت إلا تحته، يعد شيئاً في الهواء، ثم يغيّر الرقم حين ينتبه أن آدم ينظر إليه.

«لا تبدأ.» قال آدم.

رفع موكا كتفيه.

«لم أقل شيئاً.»

«وجهك قال. فكرتك تطفو.»

«وجهي عبقري.»

ثم عاد إلى العد، كأن المهمة التي اخترعها لنفسه مهمة رسمية.

قرب البقعة الخالية، كان عاملان يكنسان لا غبار. تمر حركة الكنس فوق الرصيف، فيعود الخط الأخضر لحظة ثم يخفت. الثالث يثبت بيديه عموداً مائلاً، وكلما غفل عنه بدأ العمود ينسى أنه عمود.

«هل هذا يصلح؟» سأل آدم.

نظر إليه العامل الثالث. وجه عادي إلى درجة مؤلمة. لو رآه آدم في حياته القديمة، لن يتذكره بعد دقيقة.

«نصلح الاتفاق.»

«أي اتفاق؟»

«أن هذا مرفأ. أن الرصيف رصيف. أن القادم يقف هنا ولا ينسكب في الحافة. المكان لا يبقى لأنه جميل. يبقى لأن عدداً كافياً منا يخدم وظيفته.»

«ومن أنتم؟ رعاة؟»

هز العامل رأسه.

«لو كنا رعاة لما تركونا نكنس.»

عمال.

الكلمة علقت في ذهن آدم. هذا المكان، الذي بدا له كفراغ ميتافيزيقي مصقول، فيه عمال لا يملكون أسراراً عليا. فيه من يثبت رصيفاً. من يحرق الشظايا الفاسدة. من يضع حبالاً لا تمنع أحداً لكنها تذكّر الجميع أن المرور يحتاج أدباً. فجأة صار الضباب أقل فراغاً وأكثر قسوة. لا لأنه غامض، بل لأنه مأهول.

رأى عند زاوية الرصيف مجموعة صغيرة واقفة في صمت. أحدهم راكع. أخرى ترفع كفيها. ثالث يضع جبهته على يده كأنه يستمع إلى حجر. لم تصدر عنهم صلاة مفهومة، لكن الوضعيات نفسها كانت مألوفة.

سأل العامل:

«هل يعرفون لمن يصلّون؟»

لم يتوقف عن تثبيت العمود.

«أحياناً. غالباً لا.»

«إذن ما الذي يبقى؟»

«الاتجاه.»

نظر آدم إليه.

قال العامل: «الاسم يحتاج ذاكرة. العقيدة تحتاج تفاصيل. هنا يبقى ما كان يفعله الجسد حين يطلب معنى. ركوع. رفْع يدين. صمت. انتظار إجابة. نرى الحركة قبل أن نعرف لمن كانت.»

ثم أضاف كأنه يزيح قطعة زجاج من الطريق:

«الدوكساسكوب قد يجد التفاصيل إذا وجد قناة. نحن لا نحتاجها لنثبت المرفأ.»

العقيدة، هنا، صارت زاوية انحناء.

أم هي مرساة من نوع خاص؟

طفت الفكرة واختفت سريعاً.

توقف العمال كلهم في اللحظة نفسها. انتباهاً.

موكا قال:

«آه. جاء صاحب الأرقام.»

انكمشت المسافة قبل أن يسأل آدم.

المرفأ، الحبل، الركوع، عمود العامل، موكا وهو يرفع أصابعه ليكمل رقماً جديداً؛ كلها انسحبت إلى الخلف. لكن قبل البياض رأى آدم شيئاً لم يره سابقاً إلا كلمحة: خيوطاً رفيعة بين الأماكن. خط أخضر من المرفأ إلى نقطة بعيدة. خط ذهبي يتوهج عند الأفق. تجمع بنفسجي ينبض كقلب موزع على أكثر من جسد. وخط رمادي باهت ينحدر نحو ظلمة لا تتحرك.

ثم أغلق البياض كل شيء.

لم تكن الغرفة فارغة هذه المرة.

أو ربما كانت دائماً غير فارغة، ولم يكن آدم يملك ما يكفي من الثبات ليرى ذلك.

الكرسيان الطافيان في المركز. حولهما حلقات رقيقة تدور ببطء، بعضها يحمل رموزاً، وبعضها يحمل صوراً لا تكتمل: رصيف أخضر، عيني امرأة في قاعة خشبية، يد ترفض شظية حمراء، كيان يردد «كنت على حق» حتى يصير الجدار خلفه أقوى من وجهه.

راف جالس في أحد الكرسيين. أخف من آخر مرة. ليس شفافاً، لكن الحواف حوله أبطأ، كأن الضباب يتردد قبل أن يرسمها.

مايك واقف أمام عمود أخضر. البيانات لا تتدفق هذه المرة كزينة حوله. كانت تتصرف كشيء حي محبوس في زجاج: تصعد، تتعثر، تعود، ثم تصعد مرة أخرى.

«عدت من حافة الهوامش بلا قناة مفتوحة.» قال مايك.

«هل هذه تهنئة؟»

«قراءة.»

«أكره قراءاتك.»

«ستحتاجها.»

لوّح مايك بيده. انطفأت نصف الحلقات وبقيت ثلاث دوائر فارغة حول آدم، لا حول مايك.

«جلسة اليوم ليست خبراً. ورشة.»

«ورشة ماذا؟»

«أداة.»

آدم نظر إلى راف. بدا راف كمن يريد أن يقول شيئاً ثم يختار ألا يدفع ثمنه.

قال آدم:

«قبل الأداة. جسدي انتهى. الدماغ نسيج. هذا قلتموه بما يكفي.»

رفع يده أمام وجهه. لم تعد اليد تخيفه كما أخافته أول مرة. هذا، بحد ذاته، أخافه.

«فمن يحرك هذه؟ من يتكلم الآن؟ من يطرح السؤال؟»

توقف العمود الأخضر عن الحركة.

نظر مايك إليه أخيراً.

«هل تحب الرياضيات؟»

«كنت أحبها. أظن. قبل أن تصير حياتي سؤالاً لا يعرف وحداته.»

«جيد. الرياضيات نجت من الموت لأنها لا تحتاج إلى جسد. علاقة تكفي. فرق يكفي. تكرار يكفي.»

قالها مايك، ورفع كفه.

فوقها، ظهر نظام صغير من الرموز. لم يكن مكتوباً على شاشة. كان قائماً، يدور حول نفسه، وله مواضع ناقصة كأن أحداً اقتلع منه كواكب.

«لن أملأها لك.» قال مايك. «سمِّ ما تراه.»

أشار إلى الدائرة الأولى.

«هل تؤمن بالعلم؟»

«نعم.»

«بالحظ؟»

«أحياناً. كاحتمال.»

«بالقدر؟»

تأخر آدم.

«لا أعرف.»

لم تسقط الكلمة في الفراغ. الدائرة الأولى اهتزت كأنها لا تعرف أين تضعها.

مايك لم يساعده.

«افترض إنساناً يحمل الثلاثة كيقين: كل شيء سببي، وبعض الأشياء عشوائية، وكل شيء مكتوب. الثلاثة في صدر واحد، لا كاحتمالات، بل كأوامر نهائية. ماذا يحدث؟»

ظهر حول آدم شيء يشبه التجربة.

رأى ثلاثة اتجاهات تسحب سطحه من الداخل: خط مستقيم من معادلة قديمة، رمية نرد لا تكف عن الدوران، وكتاب مغلق عليه اسمه ولا يقدر على فتحه. لم تؤلمه الصور. آلمه أنها كلها تطلب منه الطاعة في الوقت نفسه.

قبض على حافة الكرسي.

«تشتت.»

«سمِّه.»

«تباين.»

استقر الرمز في المدار الأول:

σ²

بردت الدائرة.

لكن آدم لم يتركها تمر.

«قلت لا أعرف عن القدر.»

«قلت.»

«هل هذا يصدّعني؟»

مايك انتظر.

آدم تابع، وهذه المرة لم يكن يسأل عن القدر:

«وماذا عن من لا يعرف، ويعيش كمن يبحث؟ يقول لا أعرف، ثم يفعل ما يفعله الباحث. هل هذا تباين؟»

الدائرة الأولى اهتزت مرة أخرى. خلفها ظهرت ومضة من السوق: بائع يقول له إن الصفاء سيريحه، وآخر يقول إن الطفولة ستعيده، وثالث يعرض وجهاً ناقصاً. كلهم كانوا يبيعون يقيناً سريعاً لجوع حقيقي.

قال مايك:

«التباين ليس الجهل. التباين يقينات متنافسة. السؤال المفتوح الواحد ليس شقاً إذا عشته كما تقوله.»

نظر إلى العمود الأخضر، ثم إلى آدم.

«في هذه الغرفة كنت تذوب. لم يمسكك جواب. أمسكتك جملة: أريد أن أفهم.»

راف قال، بصوت أخفت من المعتاد:

«اليقين لم ينقذك. الاتساق أنقذك.»

أشار مايك إلى المدار الثاني.

«ماذا يحدث لمن يقول شيئاً تحت الضغط، ثم يتركه عند أول ثمن؟»

هذه المرة لم يحتج آدم إلى تجربة.

رأى الكيان عند المرفأ: «كنت على حق.» الجملة التي صارت جداراً، والجدار الذي صلب أكثر كلما فرغ الوجه. ثم رأى اللحظة التي ترك فيها الجملة، لا لأنه اكتشف كذبها، بل لأنه لم يعد قادراً على دفع ثمنها.

«كان يمسك نفسه بها.»

«حتى لو كانت خطأ؟»

«حتى لو كانت خطأ.»

«سمِّ ذلك.»

آدم بحث عن كلمة لا تمدح ولا تدين.

«ثبات.»

«κ.»

استقر الرمز الثاني.

لم يكتمل الضوء حوله. بقيت حافته خشنة.

مايك قال:

«الثبات لا يسأل إن كنت طيباً. يسأل إن كنت مستمراً.»

«هذه جملة قبيحة.»

«إنها جملة مفيدة.»

ظهر موكا للحظة على إحدى الحلقات، جالساً على حافته المستحيلة، يتشبث بسخافة صغيرة كما لو كانت راية. ثم اختفت الصورة قبل أن تتحول إلى نكتة.

قال راف:

«أحياناً ينجو من يحمل شيئاً تافهاً لأنه لا يخونه. وأحياناً يسقط من حمل حقيقة عظيمة لأنه عاش عكسها.»

آدم تذكر الرجل الذي اشترى عائلة من السوق. وجهه كان جميلاً لثانية. الفراغ خلفه كان أجمل مما ينبغي.

«وسليم؟»

لم يجب راف.

مايك أجاب بطريقة أسوأ:

«ليست كل خسارة تحتاج أن تصبح مثالاً فوراً.»

كانت تلك رحمة غريبة من رجل يشبه جدولاً أخضر.

آدم قبلها، مؤقتاً.

أشار مايك إلى المدار الثالث.

«أقدم كلمة تعلمتها هنا.»

«الفجوة.»

«بين ماذا وماذا؟»

«بين ما أقول وما أفعل.»

الدائرة الثالثة لم تنتظر. فتحت في الهواء صورة آدم وهو يمد يده نحو الشظية الحمراء، لا نحو البائع، بل نحو نفسه. رأى اليد التي كادت تتشكل. الغرفة التي كادت تلتئم. الوجه الذي كاد يكذب عليه بما يكفي ليعيش دورة أخرى.

ثم رأى يده وهي تنسحب.

مايك لم يعلق. راف أيضاً.

كان هذا أفضل.

ظهرت علامة الدلتا، Δ.

دخل الرمز الثالث مداره، والتحمت الخانات:

C = (1 − σ²/σ²ₘₐₓ) × κ × (1 − Δ/100)

تحركت المعادلة حوله مرة واحدة.

ثم شدّت.

لم يكن شدّاً عنيفاً. كان كأن الغرفة تقول: الآن جرّب أن تكذب.

قال مايك:

«في عالمكم القديم كنتم تسمون الفجوة نفاقاً. أو صراعاً داخلياً. هنا لا يهم الاسم. البناء لا يقوم على أساس مشروخ.»

نظر إليه، كأنه يثبّت قراءة.

«أنت مهندس.»

«إذن هذا هو القانون؟»

«لا.»

أغلق مايك قبضته.

المعادلة لم تختف. لكنها فقدت لمعانها. صارت كأداة موضوعة على طاولة، لا نجماً.

«الضباب لا يحسب. يستجيب. هذه ليست قانونه. هذه لغتنا نحن حين لا نريد أن نغرق في شيء أقدم من اللغة.»

لمس الرمز بسبابته. اهتزت الخانات الثلاث كأنها معدن دافئ.

«نموذج عمل. يخطئ في الحواف. يتعطل أمام حالات لم نبن لها خانة. لكنه يسمح لنا بإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يصير السقوط أسرع من اليد.»

قال آدم:

«مثل سالم.»

لأول مرة، لم يبدُ مايك راضياً عن دقة الإجابة.

«سالم ليست مثالاً جيداً.»

«لأنها كسرت القناة؟»

«لأنها لم تكسرها بالطريقة التي نفهمها.»

راف رفع عينيه إلى آدم. في ذلك الرفع وحده كان تحذير كامل.

مايك لوّح بيده.

في إحدى الحلقات ظهرت قاعة خشب. وجوه. يقين جماعي هائل، أثقل من المكان نفسه. ثم امرأة ترفع رأسها، لا كمن ينتصر، ولا كمن ينهزم. فقط كمن يرى شيئاً لا يملكه الجمع.

ارتج العمود الأخضر.

الصورة انقطعت.

«القناة سجلت تلوث قراءة.» قال مايك. «اللفظ مهين. أعرف. لكنه وصف العامل حين لا يجد خانة في السجل.»

آدم وضع يده على صدره.

«وماذا عن النمط بداخلي؟ ما رفضت بيعه في السوق. في أي خانة يُحسب؟»

لم يتحرك مايك.

الصمت طال بما يكفي ليصير جواباً.

ثم مد يده، لا نحو آدم، بل نحو الفراغ بينهما. المعادلة عادت إلى اللمعان، وحاولت الخانات الثلاث أن ترتب نفسها حول السؤال.

σ² لم يعرف أين يذهب.

κ اقترب ثم ارتد.

Δ أضاء لثانية، ثم انطفأ كأنه لا يملك حق القياس.

ظهر على العمود الأخضر ثلج أخضر. ضوضاء. أرقام تبدأ ولا تكتمل.

قال مايك أخيراً:

«لا خانة مستقرة.»

«إذن الأداة عمياء.»

«أو نحن.» قال راف.

مايك لم يعترض.

وهذا، أكثر من أي اعتراف مباشر، جعل شيئاً يشبه البرد يتحرك في ظهر آدم.

«قبل أن تغرق في الثغرة.» قال مايك. «افهم ما تملك أولاً.»

لوّح بيده فانفتحت حلقة أخرى.

ظهر راديو قديم. لا يعرف آدم إن كان من ذاكرته أو من اختيار مايك. جهاز خشبي، قرص، هوائي مكسور.

قال مايك:

«راف أعطاك الصورة الأولى. إذا كُسر الجهاز، هل تموت الإشارة؟»

«لا.»

«ماذا تحتاج؟»

«جهازاً آخر. أو وسطاً يحملها.»

«والضباب؟»

آدم فهم قبل أن يجيب.

«وسط وجهاز.»

«حسب المسافة التي تنظر منها.»

«إذن أنا لست شبحاً.»

مايك نظر إليه كأن كلمة شبح قطعة أثاث رديئة.

«الشبح قصة يقولها من لا يعرف أين يضع الإشارة. أنت نمط تحت ضغط. إن صمد، صار قابلاً للعمل. إن فسد، لا يعاقبه أحد. يتفكك فقط.»

«وقود.»

الكلمة خرجت من آدم.

راف لم يتركها معلقة.

«أو بضاعة. أو عامل. أو ساكن. أو شيئاً لا نملك له اسماً بعد.»

هذه كانت أول مرة يقول فيها راف شيئاً يشبه الأمل دون أن يزخرفه.

آدم التقط الخيط.

«وكل من يموت يمر هنا؟»

مايك قال:

«لا أملك تعداداً للكون.»

«حتى البشر؟»

«ولا تعداداً للبشر.»

كان الرد بارداً، لكنه لم يكن تهرباً.

«ما يصل إلينا هو ما يترك نمطاً كافياً عند عتبة صالحة. موت. قرب موت. انقطاع. عودة. أحياناً نافذة لا نراها إلا بعد أن تغلق. الباقي ليس عدماً بالضرورة. فقط خارج قياسنا.»

آدم تذكر الراكعين في المرفأ.

«والأديان؟»

راف هو من أجاب:

«من جاء باسم كامل، قد يفقد الاسم ويبقى الاتجاه. من جاء بلا اسم، قد يحمل اتجاهه أوضح من المؤمن. الضباب لا يحتاج أن يعرف اسم الإله ليقيس هل كنت تكذب وأنت تركع.»

كانت الجملة قاسية بما يكفي لتستحق الصمت.

آدم قال:

«هذا المكان يختصر البشر بطريقة مهينة.»

مايك:

«لا. البشر كانوا يفعلون ذلك قبله. هذا المكان يزيل الزينة فقط.»

«والمحطة؟»

مايك لم يسأله أي محطة.

«أين تُبث الإشارة؟ من صمم الوسط؟ من يدير الجهاز؟»

العمود الأخضر هدأ.

قال مايك:

«سؤالك صحيح. الوعاء ليس جاهزاً.»

«أكره هذه الجملة.»

«ستكره كثيراً من الجمل الصحيحة.»

نظر آدم إلى راف.

«ميثاقنا؟»

راف قال:

«لا أكاذيب.»

«حقائق مؤجلة.»

«وليست كل الحقائق المؤجلة لطفاً.»

احتفظ آدم بذلك في مكان قريب من الغضب.

«ماذا عن قاتل مقتنع؟ طاغية لا يشك؟ شخص يعيش جريمته بلا فجوة؟»

مايك لم يجب سريعاً.

وكان التأخر، هذه المرة، شفقة قليلة أو حساباً كثيراً.

«تماسكه أعلى من رجل طيب يمزقه تناقضه.»

الأرض تحت كرسي آدم فقدت صلابتها لحظة.

«هذا ليس عدلاً.»

«لم أقل إنه عدل.»

«أنت تقولها كأنها نتيجة تجربة.»

«لأنها نتيجة تجربة.»

قام آدم.

لم يكن يعرف أنه قام إلا حين صار واقفاً، والكرسي خلفه يذوب ثم يعود. في صدره شيء يرفض المعادلة كلها، لا لأنه لم يفهمها، بل لأنه فهمها بما يكفي ليكرهها.

«إذن الخير لا يعني شيئاً.»

راف تحرك. الحركة الصغيرة كلفته؛ رأى آدم حافته تخفت أكثر.

«لا تفعل.»

«لا أفعل ماذا؟»

«لا تجعل كراهية القاعدة دليلاً على أنها كذب.»

قالها راف كما لو أنه قالها لنفسه مئة مرة قبل آدم.

مايك أضاف:

«الضباب لا يحكم. يستجيب. كالجاذبية. لا كالمحكمة.»

«ومن صنع جاذبية كهذه؟»

هذه المرة لم يقل مايك إن الوعاء ليس جاهزاً.

قال فقط:

«هذا هو السؤال الذي سيأكلك إن طرحته قبل أن تتعلم كيف تقف.»

ثم، بعد لحظة:

«الأداة لا تبرر الطاغية. الأداة تخبرك لماذا لا يكفي أن تكون طيباً وممزقاً. إن أردت مواجهة شيء متماسك، لا تواجهه بالتناقض.»

كانت جملة مخيفة لأنها لم تكن عزاء.

آدم جلس ببطء.

راف أرسل الفكرة خافتة:

«قلت لك ستكرهها حين يقولها مايك.»

«وأنت تكرهها منذ زمن أطول.»

«ولا تزال حقيقية.»

«ما هذا المكان إذن؟» سأل آدم. «بصيغة لا تبيعني جنة ولا تهددني بجحيم.»

مايك أجابه من دون عرض:

«محطة معالجة.»

كلمة قبيحة. نافعة.

«الأنماط التي تصل بفجوات مفتوحة تُعطى فرصة لإغلاقها. بعضها يبني ما يكفي. بعضها يتحول إلى عمل. بعضها ينضم إلى جماعة. بعضها يشتري كذبة ويصير مادة خاماً لكذبة أكبر.»

«والنهاية؟»

«العبور. أو البقاء. أو التحول.»

ثلاث كلمات.

لم يشرحها.

آدم شعر أن كل واحدة منها باب، وأن تسمية الباب الآن ستجعله يظن أنه فهم الممر.

«ومن لا يغلق؟»

راف نظر إلى طرف البياض، حيث لم يكن هناك طرف.

«ينجرف.»

«نحو المفترسات؟»

«أحياناً.»

مايك صحح، ببرود مهني:

«لا تقل نحوها كأنها تصطاد. بعض الأماكن في الضباب منخفضة بما يكفي لكي يسقط إليها من لا يملك وزناً مضاداً.»

«الفرق مهم؟»

«نعم. العدو الذي يريدك شيء. الحفرة التي لا تعرفك شيء آخر. الخلط بينهما يقتل بسرعة.»

آدم تذكر السواد الذي لم يلمع وهو يبتلع.

لم يحتج إلى شرح أكثر.

«والشرط؟»

راف أجاب. جملته خرجت أخفت من النسخ السابقة، لذلك بدت أثقل:

كن حقيقياً يا آدم. أو ستصبح عدماً. ---

احتاج آدم أن يمشي.

لم يستأذن. لم يقل إن الحركة تساعده على التفكير. وقف فقط، وبدأ يدور حول الحلقات. كلما اقترب من واحدة، أظهرت له لا صورة، بل طريقة عمل: السوق يلمع لأن الجائعين يصدقون بضاعته، المرفأ يثبت لأن العمال يخدمون وظيفته، الغرفة البيضاء تبقى ورشة لأن مايك وراف وآدم وافقوا، بدرجات مختلفة، على أنها ورشة.

عند الخطوة الخامسة احتاج أن يستند.

قبل أن يفكر في الاستناد، تشكلت حافة تحت يده.

خشنة قليلاً. باردة قليلاً. حقيقية بما يكفي.

توقف.

«أنا فعلت ذلك.»

«لم تصنع مادة. أقنعت الورشة بوظيفة.»

«كيف؟»

«احتجتها بلا تناقض.»

نظر آدم إلى الحافة. الشيء ظل هناك ما دامت يده عليه. حين رفعها، بقي نصف ثانية، ثم تلاشى كما يتلاشى وعد لم يعد أحد يطالبه بالوفاء.

كان هذا أكثر إقناعاً من كل الكلام.

وأخطر.

لأن المكان لم يكن يقرأ أفكاره فقط. كان يتفاوض مع صلابته.

«كم مضى عليّ بمعايير عالمي القديم؟»

لم يبدُ السؤال جزءاً من الدرس. لذلك صار جزءاً منه.

مايك قال:

«لا أستطيع قياس جهاز لا أصل إليه.»

«ربما دقائق.»

لم يرد أحد.

«ربما سنوات.»

العمود الأخضر لم يتحرك.

«ربما الأطباء ما زالوا...»

انقطع صوته.

صفير.

ضوء أبيض، لكنه ليس بياض نقطة الصفر. أبيض أكثر قسوة، مستشفى لا يتذكره بل يتذكر أثره. صوت يقول، أو يصرخ:

«نحن نفقده!»

ثم رقم، أو باب، أو حقيقة:

«304.»

لم يعرف إن قالها بصوته أو سمعها.

راف نظر إلى مايك.

ذلك وحده كان كافياً ليجعل السؤال التالي أخطر من كل ما قبله.

«هل العودة ممكنة؟»

أطول صمت في الجلسة.

مايك لم ينظر إلى آدم. نظر إلى المعادلة، ثم إلى الثلج الأخضر الذي بقي من سؤال الانحناءة، ثم إلى ما يشبه الأرض.

«لن أدّعي يقيناً عن نظام خارج قياسي. إن كان هناك جهاز على الطرف الآخر، فأنا لا أصل إليه. إن كان جسدك انتهى، فالأداة لا تعرف. إن كنت على حبل، فنحن لا نرى طرفه. ابنِ من هنا، ولا تجعل احتمال العودة ديناً جديداً.»

لم يكن هذا جواباً.

كان سوراً حول الجواب.

آدم كرهه. واحتاجه.

بدأ البياض يتراجع.

لكن الغرفة لم تطفئ نفسها دفعة واحدة. تركت له ومضة أخيرة.

رأى الخيوط مرة أخرى، أو ظن أنه رآها: ذهب ثقيل عند الأفق، بنفسج ينسج أكثر من نمط في نفس النبض، أخضر يقيس ولا يمتلك، رمادي باهت ينحدر نحو منطقة لا تسأل أسماء من يسقطون فيها. ورأى المرفأ كعقدة أصغر مما تخيل، مربوطة بعمل من لا يملكون أسماء عظيمة.

قال مايك، كأنه قرأ فرط النظر قبل أن يتحول إلى جرح:

«لا تحاول تفسيرها كلها. ما زلت في الورشة.»

ثم اختفت الخيوط.

ضغطة راف جاءت على كتفه. خفيفة. مدفوعة الثمن.

«لا تحفظ المعادلة كتعويذة.»

«وماذا أفعل بها؟»

«اجعلها تفضحك قبل أن يفضحك المكان.»

ثم كان آدم وحده.

كان على سطح رمادي قرب بداية ممر التعافي، كأن نقطة الصفر أعادته إلى الطريق لا إلى الراحة.

مرّت العاملة ذات الملاقط من بعيد. لم تنظر إليه. في وعائها شظايا حمراء ميتة. خلفها رجلان يحملان مقعداً لا يريد أن يبقى مقعداً.

آدم جلس.

المعادلة كانت في الطريقة التي صار بها ينظر إلى الأشياء.

تباين منخفض. ثبات عال. فجوة صغيرة.

بسيطة في الصياغة. مرعبة في التطبيق.

لأنها لا تسأله: هل أنت جيد؟

تسأله:

من أنت حين لا يراك أحد؟

بماذا تؤمن حين يكلفك الإيمان شيئاً؟

وهل تفعل ما تقوله عندما يفتح السوق الباب الأسهل؟

***