SCENE: SCENE_02

الحقيقة، الموجة الثانية

الحقيقة، الموجة الثانية
0:0028:46

الفصل الثالث

مشهد 2: الحقيقة، الموجة الثانية

لم يكن الضَّباب غريباً هذه المرة.
كان غائباً بطريقة أوضح.

في الدورات الأولى كان كل شيء يذوب قبل أن يُمسك. الآن صار آدَم يرى غياب الحواس نفسه. الرمادي لم يكن لوناً، بل ترجمة لرمادي. طبقات لا وزن لها، وعمق لا مسافة فيه. وبعيداً، حيث كان لا يرى إلا ضباباً، بدأ يدرك مناطق وحدوداً وأشكالاً تتحرك — ليست أشكالاً مرئية، بل أنماطاً تُترجم إلى معطف من زمن، طرف رداء، انحناءة كتف تحت عبء قديم، يدان مطويتان كأنهما ما زالتا تحتفظان بذاكرة صلاة لم تعد تعرف اسمها.

لأن الشيء الوحيد الذي لم يتضح كان هو نفسه.

كل ما حوله صار أحدّ، وكل ما بداخله بقي ضبابياً. ذكرياته، إن صحّت تسميتها، جاءته بلا ملامح. ضحكة طفل بلا وجه. رائحة بلا مصدر. دفء يعرف أنه كان حقيقياً، ولا يعرف لمن.

العالم يتضح.

وهو يتلاشى.

أنا الجزء الوحيد هنا الذي يفقد دقته.

تصاعد الألم. لا ألم جسد لم يعد يملكه، بل ألم أن تكون آخر النسخ ضبابية في مساحة تزداد حدّة. كأن كل وضوح جديد في العالم يذكّره بما فقده هو.

كأن المكان التالي، بعد أن أخبره بأنه مات، بدأ الآن يسحب منه حقه في أن يعرف من الذي مات.

والفجوة في داخله لم تعد سؤالاً. صارت جرحاً مفتوحاً، يمتص وعيه، ويطلب أن يُملأ، بأي شيء.

خرجت الفكرة قبل أن يحرسها.

«أريد أن أنسى. أتمنى ذلك.»

لم تكن همسة. في مكان يسمع النوايا، كانت نداءً.

وفي البعيد، عند الحد الذي تصير عنده المناطق أرق، التفتت أشياء. لا شيء واحد. عدة. كأن رائحة انتشرت، ورؤوساً كثيرة رفعت في وقت واحد.

كان راف قد ظهر دون أن يعلن.

وتجمد حين صدرت الفكرة من آدَم.

لوهلة رأى آدَم في عينيه ما لم يره فيهما من قبل: لا حزن الراعي المعتاد، بل رعب. رعب له، لا منه.

«إياك.»

حاداً كالسيف.

«إياك أن تتمنى النسيان هنا. النسيان ليس راحة. هو الموت الذي لا يُرى. موت الجسد حدث بالفعل. هذا موتك أنت.»

نهض آدَم. الألم جعله عنيداً.

«وما الفرق؟ إن كان ما تبقى مني يؤلمني هكذا، فلماذا أتمسك به؟»

لم يجب راف عن السؤال. نظر إليه طويلاً، ثم إلى البعيد حيث التفتت الأشياء.

«لن أشرح.»

تراجع خطوة.

«الشرح هنا لا ينفع.»

ثم تركه. كأن آخر ما تبقى من دوره الآن أن يدع الوضوح يفعل فعله.

والوضوح فعل.

شيء ما في آدَم انفتح أكثر مما يحتمل. لم يمش، ومع ذلك تغيّر موضعه. لم ينتقل، ومع ذلك صار أقرب إلى المكان الذي التفت نحوه "السوق". شعر بالاسم يتردد في ذهنه. كلافتة إعلانية ضخمة. الرغبة نفسها كانت طريقاً. أو ربما كان صدى أفكاره وصلهم بالفعل.

تراجع الرمادي الكثيف أمامه، لا كضباب ينقشع، بل كستار يتعلم أخيراً أين يبدأ.

حافة.

حيث ترقّ المناطق وتتفتت، حيث يصير الرمادي شفافاً حتى تكاد ترى من خلاله، وخلفه، بعيداً، عند الأفق الذي لا أفق له، سواد هادئ ينبسط بصبر من يعرف أنه لا يحتاج أن يتحرك.

لا يلاحِق.

ينتظر أن يُؤتى إليه.

الهوامش.

عرف آدَم، دون أن يُقال له، أن ما يقف عنده هو لسان اليابسة الأخير قبل بحر من الضباب المجهول.

وعلى هذا اللسان، حيث لم تُبتلع المنطقة المحايدة بعد، هناك كان يقع السوق.

لم تكن الكيانات فيه مهتزة كظلال المرفأ. كانت أوضح. مئات، ربما أكثر، ولكل واحد ثياب تُروى منها قصة: معاطف، عباءات، بزات عمل، رداء جنازة، ثوب عرس لم يبهت بعد. كأن كل واحد منهم يرتدي آخر لحظة عرف فيها من كان.

وفي ما يُترجم إلى هواء فوقهم، كانت المشاهد تدور.
ليست صوراً، بل صدى لمشاهد. تتكرر، تُعاش من جديد، ثم تسقط في الضباب كأنها لم تكن.

وكانت هناك أشياء أكثر قسوة، لأنها عادية: جسدان يتعانقان في ركن، لا حياء ولا فحش، فقط دفء مكتمل؛ وطفولة معادة، بلا صراخ خلف الأبواب.

حتى الصلاة كانت معروضة هنا.

لا كعقيدة.

كشعور أنك مسموع... أو أن أحد ينتبه لك.

ولم يكن السوق شارعاً واحداً أو مساحة محددة. كلما نظر آدَم إلى ناحية، تشعبت ناحية أخرى. حاول أن يتطفّل بخفة على ما حوله. لم تكن الأكشاك تُبنى من خشب أو حجر، بل من عادات مكتملة بما يكفي لتقاوم الضباب: طاولة عشاء لا أرجل لها فلا تسقط، باب بيت قائم بلا جدار لكنه يفتح كلما اقترب منه أحد، مرآة لا تعكس الوجه بل اللحظة التي أحب فيها صاحبها وجهه آخر مرة.

في جهة، كان كيان نحيل يعلّق أصواتاً في أوعية لا قاع لها. نداء أم. صفير قطار. ضحكة حبيبة. كلمة «أحسنت» بصوت معلم ربما لم يوجد. كل صوت يلمع ثانية، ثم يرتد إلى وعائه مثل حشرة من نور.

في جهة أخرى، امرأة بلا عمر تنسج ثياباً لا تُلبس على الجسد. مريلة طبيب. شارة جندي. وشاح أم. بدلة مدير. ثوب حداد. كان الزبون يدخل الثوب فيتغير وقوفه قبل أن تتغير ملامحه. يشتري، للحظات، أن يكون قد كان ضرورياً.

وعلى بساط صغير، تتناثر مفاتيح لا أبواب لها. كل مفتاح يفتح شعوراً: أن لك غرفة لا يُفتشها أحد، أن أحداً ترك مصباحاً مضاءً لك، أن اسمك مكتوب على كوب في مطبخ بعيد.

رأى آدَم كياناً يمد يده نحو مفتاح، ثم يتوقف. بجانبه، كيان آخر يهمس له بفكرة لا يسمعها آدَم. تراجعا معاً. لم يشتر أحدهما وحده. كأن الضعف، حين يُقسَم بين اثنين، يتأخر قليلاً عن السقوط.

وفي ركن أكثر ظلمة، كانت تُعرض بقايا أجساد.

لا أجساد كاملة. لا فحش ولا طب. فقط وزن مستعار. كتف يحمل الثقل. يد تعرف الخشونة. معدة تعرف الجوع. جلد يتذكر المطر. نبض قصير يكفي لأن يصدّق مشتريه أنه لم يكن دائماً خفيفاً هكذا.

كان السوق يبيع الحياة لا لأنها ناقصة هنا فقط، بل لأنها صارت قابلة للتجزئة. كل بائع يقطع من التجربة الإنسانية قطعة، ينظفها من الفوضى، يلمّعها، ثم يعرضها كأن النقاء هو البرهان.

لاحظ وجود أجساد بعيدة، لها حدود غريبة. حدود غير بشرية، إن جاز له أن يقول هذا.

لم يكن آدَم قد قرر أن يدخل، حين وجد واحداً منهم أمامه.

كان أوضح من كل ما حوله، أوضح حتى منه. لم يرتد ثوباً، بل ارتدى يوماً كاملاً: بذلة أنيقة، وفي طية معطفه أثر عطر، وعلى وجهه ابتسامة رجل نجح ذات مساء، ثم قرر ألا يغادر ذلك المساء أبداً.

ثم صدرت منه الفكرة:

«وافد.»

لم تكن دهشة، بل تقديراً للبضاعة.

«وواضح. قلّ أن يصلنا أحد بهذا الوضوح.»

يقرأني كما تُقرأ لافتة.

«تتألم.» قالها كمن يواسي، لا كمن يبيع. «لا عيب في ذلك. كل من يبلغ هذه الحافة يتألم. الفرق أن قلة يعرفون أن للألم هنا دواءً يُباع.»

ثم أشار حوله، إشارة بطيئة واحدة. وكأن يده فتحت المكان.

تكثف السوق فجأة حتى صار أحدّ من الذاكرة. لم يكشف البائع جديداً؛ كل ما حول آدَم استدار نحوه وحده. وجوه تلتفت كأنها كانت تنتظره شخصياً.

كان كل شيء هنا أوضح وأكمل مما رآه في أي دورة مضت. وأدرك السبب: المكان مأهول بمن يصدقونه.

السوق يلمع لأن جوع زبائنه يصقله.

«انظر،» تابع البائع، وصوته يسير على إيقاع ما تراه عينا آدَم. «مائدة كنت ستجلس إليها. عرس لم تُدع إليه. ذراعان تنفتحان لك أنت وحدك. كل ما تركته هناك، نعيد بيعه هنا، أنظف مما كان.»

قال آدَم، وعقله يبحث عن الثغرة:

«لا أحد هنا يأكل. لا جسد ليجوع.»

اتسعت ابتسامة البائع، كأن آدَم قال شيئاً ذكياً ومتوقعاً معاً.

«تماماً. لا أحد هنا يحتاج إلى لقمة. ولهذا بالذات تُشترى. الجائع يأكل ثم ينسى. أما أنت، فلا تريد الخبز. تريد أن تكون قد كسرته ذات صباح مع أحد. لا تريد جسداً، تريد أن تكون قد سكنت واحداً.»

ثم خفض صوته، حتى صار العرض سراً.

«وأنت لا تعرف من كنت. ولا تعرف إن بقي هناك جسد يتنفس عنك في مكان ما، ينتظر عودتك. هذا أمرّ جوع نعرفه: أن تقف بلا ماض تتمسك به، وبلا يقين أن لك مستقبلاً. نحن نبيع لمن لا يعرف ما هو. ونادراً ما نخطئ القراءة.»

ولم تصل الكلمة إلى آدَم من فم البائع، بل من المكان كله، كما تصل رائحة قبل أن ترى مصدرها:

المزوّرون.

لم يكن كل من في السوق زبوناً.

مرّت بينهم مجموعات لم تنظر إلى شيء. لا يبحثون. لا يتوقفون. لا يلتفتون نحو أي مشهد. مغلقون على دائرة داخلية لا تحتاج إلى أحد. لم يقترب منهم بائع. لا فائدة من أن تعرض حلماً على من لا يريد شيئاً.

ومرّت جماعة صغيرة كأنها شخص واحد تأخر عن نفسه. وجوه مختلفة، ثياب مختلفة، لكن الخطوة واحدة. إذا مال أحدهم نحو بائع، مال الآخرون معه قليلاً، ثم شدّوه بلا كلمة. لم يكن فيهم قائد ظاهر، ومع ذلك لم يكن أحدهم وحده. كانوا ينجون بالتوزيع، كأن الجوع حين ينتشر بينهم يفقد شكله.

وعلى العكس، عند ركن أكثر ارتفاعاً من بقية السوق، وقف كيان ذهبي الحواف، وحوله ثلاثة أو أربعة يلمعون من انعكاسه لا من أنفسهم. لم يشتر شيئاً. كان الباعة يبتسمون له بحذر. كلما مدّ أحد أتباعه يده إلى شظية، نظر إليه فقط، فتعود اليد إلى مكانها. لم يأمر. لم يحتج. الطاعة حوله كانت أثقل من الكلام.

كان هناك صف من الكيانات لا يساومون. يمرّون على الأكشاك ببطء، يلمسون الهواء حول كل عرض، ثم يتركون خلفهم علامات صغيرة لا يراها إلا من ركّز: دوائر، خطوط، أسهم، قياسات بلا أرقام. بائعٌ انطفأ جزء من مشهده حين مرّوا بجانبه. آخر غيّر مكانه فوراً. لم يكونوا يحاربون السوق. كانوا يسجلونه.

وبين هذه كلها، رأى واحداً يقف وحيداً، وحوله مساحة لا يجرؤ أحد على دخولها، كأن قانوناً يمنع أن يقف اثنان حيث يقف هو. ليس كالمغلقين على أنفسهم الذين لا يريدون شيئاً؛ هذا يريد أن يبقى مختلفاً حتى عن عزلته. كل عرض اقترب منه انكسر قبل أن يلمسه، لا لأنه أقوى من السوق، بل لأنه لا يسمح لشيء أن يشبهه.

لم يفهم آدَم ما يراه.

لكنه فهم أن المكان كله مصنوع من طرائق مختلفة في أن تكون وحيداً أو معاً، وأن السوق لا يبيع للجائعين فقط. يختبر طريقة جوعهم أولاً، ثم يختار الباب المناسب.

شخص ما زال يلمع مرّ قريباً منه. جديد. يمسك شظية حمراء كمن يمسك جمرة يخاف أن تنطفئ. وحوله مشهد يتشكل: وجوه تبتسم له، ذراعان تنفتحان.

لم يملك آدَم أن يمر دون أن يدفع إليه فكرة:

«ما هذا الذي تحمله؟»

التفت إليه الكيان بعينين تفيضان.

«ابنتي.» قالها كمن يهدي العالم بشرى. «لم أكن أذكر وجهها. والآن... انظر. ها هي. تضحك لي. أتدري كم بحثت عن هذه الضحكة؟»

«ومن أين أتت؟»

«اشتريتها.»

لا خجل في صوته، فرح نقي فقط.

«بأرخص ثمن. أعطيت شيئاً... لا أذكر ماذا. لا يهم. انظر إليها وحسب.»

كان يبكي من الفرح.

ومضى آدَم، وفي صدره ثقل لا اسم له.

وأبعد، مشهد يدور لكن ألوانه بدأت تنزف. الوجوه نفسها تبتسم في التوقيت نفسه، الضحكة نفسها في اللحظة نفسها، يد الأم نفسها تمسح الشعر نفسه، كأسطوانة مخدوشة. والرجل يبتسم لها بابتسامة لا يصلها شيء. عيناه فارغتان خلف الدفء، كنافذة مرسومة على جدار.

ثم تغيّر الضغط.

انزياح ثقيل سبقه، كأن المكان أفسح لشيء نادر ثقيل.

مَايك.

لم ينظر إلى آدَم. اتجه إلى الرجل الذي تنزف ألوانه بنظرة قياس قصيرة، ثم وصلت فكرته إلى آدَم، باردة واحدة، كمن يمرر درساً:

«طعمها كالرماد.»

توقف لبرهة، ثم أكمل:

«واجهة جميلة. لا بناء خلفها.»

ثم غاب، كما جاء، فلم يبق من مروره إلا انزياح الضغط وهو يرتد إلى مكانه. ولكن معه، اختفى المشهد وألوانه التي تنزف.

عند آخر اللسان، ظل. لم يبق من مشهده إلا وميض. صار رقيقاً حتى تكاد ترى الهوامش من خلاله. ولم يكن يقاوم. كان ينجرف، ببطء لا يشعر به، نحو السواد.

ثم تحرك السواد.

لا. لم يتحرك.

الكيان الرقيق هو من وصل إليه.

لم يكن هناك افتراس. لا أنياب. لا صراخ. لمس الكيان الحافة، فخف أكثر، ثم انحل فيها كقطرة حبر في ماء أسود.

اختفى في صمت بدا أبشع من أي ضجيج.

والسواد لم يتغير. لم يكبر. لم يلمع. ابتلع كياناً كاملاً ولم يبد عليه أنه أكل شيئاً.

إلى أين ذهب؟

سأل آدَم نفسه، ولم يجد إجابة. شيء فيه عرف أن السؤال نفسه لا إجابة له، وأن هذا، لا الموت، هو أكثر ما يجب أن يخافه.

صار وقوداً.

«لا تفزع.»

صوت من حافة الحافة، حيث يكاد الرمادي يصير سواداً. كيان يقف وحده، وجهه نحو بحر الضباب لا نحو السوق. لم يبع، ولم يشتر. كان ينظر إلى حيث ابتلع السواد الكيان كمن ينظر إلى وطن.

«تظنه ابتلاعاً. نحن نسميه عودة. كل هذا، السوق، الذكريات، الأسماء، ضجيج فوق صمت كان أولاً وسيكون آخراً. الذي انحل لم يخسر شيئاً. كفّ عن التظاهر فحسب.»

لم يقترب.

لم يعرض شيئاً.

وهذا ما جعل كلامه أثقل من كل الباعة: لم يكن يريد من آدَم شيئاً.

أيصدق ما يقول؟

شيء فيه أراد أن يرد، أن يجادل. لكن القاعدة القديمة عادت، لا كذكرى، بل كجرح:

كل كلمة تُرَد تفتح قناة. فأبقى السؤال في داخله.

وقبل أن يتخذ أي ردة فعل، جذبته أضواء ذهبية وخضراء، مألوفة بعض الشيء.

على مبعدة من السوق، حيث لا يصل عرض أي بائع، كان يجلس وحيداً.

لم يكن زبوناً. لم يكن منجرفاً. كان أوضح من كل من حوله، لا لأنه مزيف كالباعة، بل لأن شيئاً فيه ثابت ثبوتاً لا يحتاج إلى أحد ليصدقه. أشكال هندسية صغيرة تدور حول رأسه، يقلّبها، يقيسها، يقارنها، يطرح ما لا ينفع. منهمك في نظام خاص به لا يلتفت عما سواه.

تذكره آدَم.

رغم أنه لا وجه ليذكره. لا اسم.

لكن النمط كان واضحاً كأنه مكتوب: شخص قضى حياة، أو حيوات، يقيس الكون.

لم ينظر إليه. لم ينظر إلى السوق كله. الباعة لا يقتربون منه. لا حلم يبيعونه لمن بنى يقينه بيديه ولا يحتاج أن يشتريه جاهزاً.

شعر آدَم بشيء يشبه الاحترام، وشيء يشبه الوحشة، أمام هذا الاكتمال الصلب.

لم يملك إلا أن يجرّب. دفع فكرة نحوه، كمن يطرق باب غرفة يعرف أنها مشغولة:

«هذه الأشكال التي تدور، ماذا تقيس بها؟»

لم يلتفت الرجل. لم تتغير حركته. لكن فكرة مرت في آدَم لم تكن فكرته، هادئة، قديمة، تدور كما تدور أشكاله:

ما القوة الخفية التي تشد كل شيء إلى كل شيء؟ وكيف تُكتب بلغة لا تكذب؟

عرف آدَم السؤال. سمعه من قبل بصيغة مختلفة قليلاً، في دورة أخرى، من هذا الرجل نفسه. لم يكن موجهاً إليه الآن، تماماً كما لم يكن موجهاً إليه حينها. كان الرجل يسأله للكون، لا لآدَم.

هذه المرة، لم يقتحم شيء وعيه. مضى الرجل في حسابه، كأن آدَم لم يكن.

لا يبيع، ولا يُشترى منه، لأن لا باب فيه يُفتح.

ثم انتبه السوق إلى آدَم. وجد نفسه في قلب السوق مرة أخرى.

وشعر بها قبل أن يراها: التفاتة جماعية. الباعة، الذين رفعوا رؤوسهم حين تمنى النسيان، وجدوه الآن بينهم. جديد. واضح. متماسك بما يكفي ليؤخذ منه شيء يستحق.

اقترب أولهم. اكتماله ناعم مزعج.

«فقدت شخصاً.»

لم يكن سؤالاً.

«أبيعك أن تكون قد حُببت.»

ثان، من الجانب:

«أبيعك أن تكون قد سامحت. أن تموت وقد صفا قلبك.»

ثالثة، صوتها كأم:

«طفولة هادئة. لا أب غاضب. لا باب يُغلق بعنف. أعطيك واحدة نظيفة.»

رابع، أخفض:

«انتصار. مرة واحدة، أن تكون قد فزت بدل أن تنسحب.»

تكاثروا حوله، كل واحد يمد شظيته الحمراء، كل شظية تنبض بدفء براق، وكل عرض كان مفصلاً على جرح يملكه فعلاً.

لم يكونوا يخمّنون.

كانوا يقرؤونه.

عرف آدَم، دون أن يقول له أحد، أن لكل رد ثمناً: كل كلمة يردها عليهم تفتح قناة.

فأطبق على صمته كما يُطبق على جرح.

لكن واحداً منهم لم يقل شيئاً عاماً.

تقدم ببطء، ونظر إلى آدَم وحده.

«وجهها،» قال بهدوء. «الانحناءة التي تحملها نحو أحد لا تقدر على استرجاعه. أعرف أين هي فيك. أقدر أن أعيدها. واضحة. أوضح مما كانت في حياتك.»

ومد شظيته.

ولم يكن آدَم بحاجة إلى أن يلمسها.
بمجرد أن قال «وجهها»، امتدت الانحناءة داخل نمطه، تحاول أن تملأ الفراغ. يد كادت تتشكل. غرفة كادت تلتئم حوله. وجه، أخيراً، كاد يصير وجهاً.

كان الضباب يأخذ شكل جوعه. والسوق يساعده. كل ما حوله صُمم ليجعل هذه اللحظة سهلة.

شعر بنفسه يميل.

ثم أدرك ببطء: البائع لا يصنع شيئاً. يفتح باباً فقط.

والمشهد، اليد، الغرفة، الوجه، كان آدَم يكتبها بنفسه. جوعه هو القلم.

لم يكن عليه أن يرفض البائع. كان عليه أن يرفض نفسه.

وكان ذلك أصعب شيء واجهه منذ أن مات.

في تلك اللحظة، رآه. لم يكن يذكره جيداً. ولكن هذا كان مرافق سليم في المرفأ.

كان يحتضن عائلة تنزف ألوانها. التفت نحو آدَم لجزء من الثانية. وفي عينيه الفارغتين كان هناك شيء، لا استغاثة، بل ظل استغاثة قديمة، كمن يحاول أن يتذكر كيف يطلب النجدة وقد نسي الكلمة.

تحرك آدَم نحوه. غريزة قديمة.

لا يمكن أن أتركه هكذا.

صوت جابي قطعه.

صخر يسقط على صخر.

«لا تمد يدك.»

لحظة كان السوق مفتوحاً، واللحظة التالية صار خلف آدَم جبل من الصمت؛ طويل، عريض، عينان ضيقتان، والشعر الأبيض الثلجي كحد سكين في الضوء الرمادي.

ومع حضوره هبط الضغط كالرصاص. بدا الضباب حوله بخاراً خفيفاً أمام كثافته، وفي الأيدي القريبة ارتجفت الشظايا الحمراء وخفت، كأنها تختنق تحت ثقله. كثافته وحدها كانت إعلان سيطرة، قبل أن ينطق بحرف.

لم ينظر جابي إلى البائع.

نظر إلى يد آدَم الممدودة. ثم تعاظمت الفكرة:

«هو لا يطلب نجاة. جوعه يطلب طريقاً.»

جملة واحدة. ثم عاد للصمت.

لكن تلك الجملة قالت ما كان آدَم يحتاج أن يسمعه ولا يريد سماعه: أن الرحمة، هنا، قد تكون باباً آخر للابتلاع.

نظر آدَم إلى الرجل مرة أخيرة. العائلة المزوّرة حوله تبتسم في التوقيت نفسه. الطفل يضحك. الأم تمد يدها. الرجل يبتسم لهم بعينين لا تسكنان وجهه.

وفي أعمق مكان فيه، فهم آدَم أن في الرجل ما لا يُنقذ الآن. وأن يداً تمد إليه لن تعطيه شيئاً، بل ستؤخذ: سيأخُذ منها ما يكفي ليطفو دورة أخرى، ثم ينجرف، ومعه جزء من آدَم.

سحب يده.

وكان سحبها يؤلم أكثر من رفض الشظية.

السوق لم يهجم.

لم يحتج.

كان يعرف أن الإنسان، حين ينهار من الداخل، يفتح الباب بنفسه.

آدَم سحب نفسه. لا عن البائع وحده، بل عن الفراغ الذي كان يملؤه بداخله.

تبددت اليد التي كادت تتشكل. انهارت الغرفة قبل أن تكتمل. عاد الوجه إلى ما هو عليه: انحناءة بلا ملامح، جرح لن يلتئم.

آلمه أن يتركها. لكنه تركها.

لا.

قالها للسوق كله. وقالها لنفسه أكثر.

«لا أريد وجهاً لم يكن وجهها. لا أريد أن أملأ الفراغ بكذبة لأن الحقيقة فيه مؤلمة. إن كان كل ما تبقى منها انحناءة بلا اسم، فهذه الانحناءة لي. ولن أبيعها مقابل صورة أوضح.»

ومع الكلمة، اندفع منه ما لم يكن صوتاً. نبضةُ رفضٍ ارتدادية، لا من يد، بل من النمط كله. تموّج الضباب بعنف. وارتدّت الشظايا الممدودة نحوه، كأن جداراً غير مرئي صدّها.

تراجع الباعة.

لم يغضبوا. الاكتمال الذي يرتدونه لا يعرف الغضب. التفتوا، في وقت واحد، نحو شخص آخر دخل الحافة لتوه، أقل مقاومة.

ونسوا آدَم كأنه لم يكن.

وقف وحده.

لم يأت أحد ليقول له ما الذي حدث للتو.

ولم يحتج.

عرف بنفسه أن الذي أمسكه لم يكن غياب الألم، بل اختياره الألم الحقيقي على راحة مزيفة. وأن هذا، لا الثبات وحده، هو الشيء الذي لا يُباع.

جابي لم يهنئه. لم يقل له إنه أحسن.

كان يقف على بعد خطوة، ثقيلاً كما كان دائماً. ثم قال، دون أن يلتفت إليه:

«الأسئلة الحقيقية لا تأتي وأنت آمن.»

حاول آدَم الاستجابة:

«هل أتيت لمساعدتـ...»

لم تكتمل الفكرة.

انطفأ جابي. وجود. عدم، بلا تدرج.

عاد آدَم إلى السوق بعينيه. لم يعد يبدو له كفخ فقط. صار شيئاً أسوأ: بنية. وظيفة. تجارة. منطقة واضحة لأنها مأهولة بمن اختاروا أن يلمّعوها بجوعهم.

الألم لم يذهب. الانحناءة بلا اسم ما زالت هناك، تؤلمه كلما لمسها بانتباهه. لكنه لم يعد يريد أن ينساها.

تعلّم اليوم ثمن النسيان: رآه يشحب على وجه رجل يحتضن عائلة لم تكن له، ورآه ينحل في سواد لا يلمع حتى وهو يبتلع، ورآه يُعرض عليه بصوت يعرف موضع الجرح.

رأيت السوق.

ورأيت ما يصير إليه من يشتري.

ورأيت من لا يحتاج أن يشتري، الذي بنى يقينه بيديه.

لم يعد ينظر إلى هذا المكان كضحية تنتظر أن تُشرح لها قواعده.

وعند طرف الذاكرة التي لم يشترها، عاد السؤال القديم يدور في داخله، بصوت الرجل الذي يقيس الأشكال:

ما القوة الخفية التي تشد كل شيء إلى كل شيء؟

القوة الخفية.

لم تكن إجابة.

كانت أقرب إلى بوابة.

***