تم استلام بيانات جديدة من النظام.
وميض أخضر من أعلى المرفأ.
ليس نوراً واحداً، بل شبكة من خطوط حادّة، قياسية، باردة. ضربت الآبار الثلاثة لا بقوة، بل بتعريفٍ جديد للحدود. كأن أحداً رسم معادلة حول السواد، وأجبره أن يعترف أنه لا يملك الحق في التمدّد أكثر.
انغلقت الآبار. المهندسون، أو شيء من أدواتهم. المعادلة لم تترك للسواد مكاناً يعيش فيه.
تركت وراءها صمتاً سميكاً، وحوافاً محترقة في المكان، وفراغات حيث كان هناك أشخاص.
سليم لم يكن هناك.
الكيان الذي كان يردّد أنه على حق لم يكن هناك.
وأحد عمال الرصيف الأخضر كان نصفه فقط في المرفأ، يلتحم مع الضَّباب من حوله، ونصفه الآخر أصبح ذكرى في أثر خشب رطب ونَفَس جماعي مكتوم. أمينة واثنان آخران سحبوه ببطء، لكنه كان يكرّر جملة واحدة:
«المرأة لا تدخل الخانة.»
أراد آدَم أن يذهب إلى راف، لكن أمينة أوقفته بنظرة.
«لا تلمسه الآن.»
«لماذا؟»
«لأنك ستأخذ ما لا يملك رفاهية إعطائه.»
راف على ركبة واحدة. ملامحه أخفّ مما كانت، أقلّ وجوداً. لم ينهض. كان ينظر إلى الرصيف الأخضر الذي بدأ يتبخر في الضَّباب.
موكا عاد إلى نفسه ببطء. الجاذبية التي كانت تسحبه نحو البئر تركته فجأة، فاستقرّ في موضعه كأنه يتذكّر كيف يثبت. لم يضحك. لم يقل شيئاً.
مدّ يده إلى كمّ آدَم. لمسها مرة. ثم تركها.
كانت لمسة من شخص يعرف أن الآخر دفع عنه ثمناً.
أمينة لا تزال تمسك مقبض سليم. لم تضعه. كانت تحمله كما يحمل شخص قلباً لا يخصّه، بانتباه شديد، خوفاً من أن يسقط منه قبل أن يجد له صاحباً.
قال آدَم، وصوته أضعف مما أراد:
«ما الذي حدث؟»
راف رفع رأسه بصعوبة.
«ارتداد من قناة تاريخية.»
«أي تاريخ؟»
العامل نصف العائد ارتجف، وخرجت من الرصيف ومضة أخيرة:
خشب.
قاعة.
عيون كثيرة تؤمن بالخوف نفسه.
وامرأة ترفع رأسها.
قال راف:
«سالم. 1692.»
لم يعرف آدَم الكلمة، لكنها تركت في المكان ثقلاً لا يشبه الاسم. شيء حدث هناك، مكان ما، زمن ما، وعَلِق في القناة، وعاد عبرها إلى هنا. لم يفهم أكثر من ذلك. لم يحاول.
«هل هذا ما جذب المفترسات؟»
«ليس جذباً. القناة حملت يقيناً جماعياً هائلاً، ثم وجدت داخله شيئاً لا خانة له. التناقض فتح انحداراً. المفترسات وجدت حافة جاهزة.»
نظر آدَم إلى الفراغ الذي كان فيه سليم.
«هل تبخروا من الوجود فقط بسبب تصنيف؟»
قال راف: «بسبب فشل في القياس.»
الجملة كانت باردة بما يكفي لتستحقّ كراهية كاملة.
لكن صوت راف انكسر عند آخرها.
لم تكن بلادة.
كانت اعترافاً.
تحوّل الضوء.
لا شمس هنا. تحوّلت كثافة المكان. وزن جديد دخل المرفأ.
الظلال المتبقية ابتعدت.
موكا انكمش قليلاً نحو نفسه.
أمينة لم تتحرّك، لكنها لم ترفع عينيها.
مَايك هنا.
كان واقفاً على حافة المرفأ. الشبكة الخضراء التي أغلقت الآبار كانت أدواته. لم يقل ذلك.
لم ينظر إلى راف. نظر إلى آدَم.
نفس النظرة الطويلة من اللقاء السابق، تلك التي انتهت بـ أنت استثمار، أنت مورد، أنت يستهلك موارد غير معتادة.
لكن الآن كان فيها سطر إضافي. لم يقله. سمعه آدَم بوضوح:
أنت دفعت. من الآن، أنت داخل الحساب.
(آن الأوان يا آدَم.)
صوته العقلي عبر المرفأ. لا يطلب إذناً. لا يلطّف.
(لا يحقّ لك أن تحمل كلّ هذا دون أن تعرف ما الذي تحمله.)
أراد آدَم أن يحتجّ. أن يقول لم أطلب أن أحمل شيئاً.
لكن المقبض كان لا يزال يثقل في كفّه التي لم يعد فيها مقبض. وموكا كان لا يزال جالساً على الأرض كمن يتعلّم الجلوس من جديد.
شيء كان قد تحرّك منذ هجوم المرفأ.
شيء لا يعود إلى الخلف بكلمة احتجاج.
اقترب مَايك بخطوة لا تشبه المشي. الضَّباب بينه وبين آدَم انكمش. المسافة لم تُقطَع، أُلغيت.
والضغط الذي كان حول مَايك انتقل إلى آدَم.
ليس ألماً. وزناً.
شعر آدَم بنفسه أصلب قليلاً مما كان قبل ثانية. كأن نظرة مَايك أعطته كثافة لم تكن لديه، كأن قياسه له جعله أكثر وجوداً في المكان.
وفي تلك اللحظة بالذات، عرف آدَم، دون أن يُقال له، أن هذه الكثافة الجديدة لها ثمن.
(تعال.)
لم يخطُ مَايك. لم يأخذ يد آدَم.
ضبط شيئاً في الذبذبة بينهما.
والمرفأ، أمينة، موكا، راف على ركبته، بقايا الرصيف، كل ذلك تراجع ببطء، كأن المشهد يُسحب إلى الخلف من الكاميرا. لا لأن آدَم تحرّك. لأن الإطار حوله تغيّر.
ثم لم يبقَ شيء.
غرفة بلا شيء
بياض مطلق.
ليس ضوءاً ساطعاً يحرق ما يحلّ محلّ الشبكية. ليس سطحاً. كان غياباً للون. فضاء لا نهائي من لا شيء، لا جدران، لا سقف، لا أرضية يمكن تمييزها. مجرّد امتداد أبيض في كلّ اتجاه، يبتلع الأفق ويلغي مفهوم المسافة.
وفي المركز، المركز الوحيد الممكن في مكان بلا حدود، كرسيان.
يطفوان، متقابلان. ينتظران.
عرف آدَم الغرفة فوراً. لا زوايا للهروب. لا ظلال للاختباء. مكان صُمم لإزالة أي متغير يشتت الانتباه عن نقطة القياس.
تقدم نحو الكرسيين. خطواته لا تصدر صوتاً. لا احتكاك.
جلس. السطح تحته صلب. ليس صلابة خشب أو معدن، بل صلابة معادلة رياضية ترفض الانكسار.
كلّ شيء هنا يحتاج إلى من يصدّقه.
حتى الكرسي تحتي.
ظهر راف أولاً.
لم "يدخل". لم "يمشِ" نحو الكرسي المقابل. ببساطة، أصبح موجوداً. كأن البياض قرّر فجأة أن يتضمّن شخصاً إضافياً.
جلس في صمت. وجهه مختلف. لا ابتسامة دافئة. لا نظرة مطمئنة. ملامحه محايدة، مضبوطة، كقناع من الشمع، يعرف أن أي تعبيرٍ الآن سيكون كذبة.
عيناه الفيروزيتان كانتا أقلّ لمعاناً من المعتاد.
ما زال يدفع من قدرته على أن يكون هاهنا.
ثم مَايك.
لم يجلس. وقف خلف راف، ذراعاه معقودتان خلف ظهره. وضعية عسكرية. وضعية من ينتظر إعطاء أمر، أو تنفيذه.
أمامه، في الهواء، تدفّقت بيانات.
أرقام. رموز. خطوط بيانية. شلال من المعلومات الخضراء، يتغيّر بسرعة لا يستطيع آدَم متابعتها. مَايك كان يقرأها. أو يتظاهر بقراءتها. متجاهلاً وجود آدَم.
الصمت ثقيل.
الصمت في مكان بلا صدى أثقل من أيّ ضجيج.
(أنا جاهز.)
آدَم كسر الصمت أولاً. فكرته بدت غريبة في هذا الفراغ. كأنه يلقي حجراً في بئر لا قاع لها.
(أخبرتموني أنني هنا للعلاج. أنني حالة خاصة. أريد أن أعرف...)
توقّف قليلاً.
(متى أعود؟ متى ينتهي هذا ويمكنني العودة لحياتي؟)
ثم صمَت.
راف لم يتحرّك. مَايك توقّف عن قراءة البيانات. لوّح بيده فاختفى الشلال الأخضر. ثم نظر إلى راف.
نظرة قصيرة. لا تلطّف. لقد تجاوزنا تلطيف الأخبار.
تقدّم مَايك خطوة.
(أنت تطرح السؤال الخاطئ يا آدَم.)
صوته العقلي بارد. جراحي. خالٍ من أيّ محاولة لإخفاء الزاوية.
(السؤال ليس "متى تعود".)
(السؤال هو: إلى أين تظنّ أنك ستعود؟)
برودة.
ليست برودة جلد. برودة وجودية. شعور بأن شيئاً ما على وشك أن يفقد أرضه.
(إلى بيتي.)
(إلى عملي.)
(إلى...)
تردّد.
الكلمة التالية كانت ثقيلة.
(إلى جسدي.)
انحنى راف للأمام.
عيناه، تلك العينان الفيروزيتان اللتان اعتاد آدَم رؤيتهما دافئتين، كانتا الآن نبعاً من حزن قديم. حزن من شخص قال هذه الكلمات آلاف المرات، لآلاف الوجوه، في آلاف الغرف البيضاء.
(آدَم.)
(استمع إليّ جيداً.)
(وحاول أن تتماسك.)
صمت.
(الجسد الذي تبحث عنه...)
صوته هادئ. كمن يقرأ نشرة طقس.
(ذلك الوعاء البيولوجي من الكربون والماء...)
ثم توقّف.
ولكن مَايك أكمل.
(أنت ميت يا آدَم.)
ثلاث كلمات.
بسيطة. مباشرة. قاطعة.
ثم، فقط بعد أن استقرّت، أضاف:
(بمعايير عالمك المادي، أنت ملفّ تمّ إغلاقه. أنت ماضٍ.)
انفجر آدَم.
قفز من الكرسي. الكرسي لم يتحرّك، ظلّ معلّقاً في الفراغ كأن شيئاً لم يحدث.
(كاذبون!)
(أنا هنا! أنا أصرخ! أنا أشعر بالخوف!)
نظر إلى يديه. لا تزالان موجودتين. لا تزالان تتحرّكان.
(كيف أكون ميتاً وأنا أملك كلّ هذا الضجيج في رأسي؟!)
خطوة نحو مَايك.
(الموتى صامتون! الموتى عدم! الموتى لا يفكّرون ولا يشعرون!)
(أنا لست ميتاً!)
لم يتحرّك مَايك.
(هذا هو الخطأ الشائع.)
صوته هادئ. تحليلي.
(تعتقد أن الوعي نتاج ثانوي للدماغ. تظنّ أن توقّف الآلة يعني نهاية المشغّل.)
توقّف آدَم في مكانه.
شيء التقطه، ليس في كلمات مَايك، بل في الفراغ الذي كانت تسدّه.
راف قال له، في الدورة الأولى: حين يتحطّم الراديو، هل تموت الأغنية؟
كان قد قبل الاستعارة. كأنها مفتاح يساعده على الاستمرار.
الآن، تحت ضغط هذا البياض، الاستعارة أصبحت سؤالاً.
(لحظة.)
صوته بدا له غريباً، أبطأ مما كان قبل ثانية، أكثر تحديداً.
(قلت لي إن الدماغ جهاز استقبال.)
(إذا كان هذا صحيحاً، فأين المحطّة التي تبثّ؟)
(من صمّمها؟ من يديرها؟)
(إذا لم أكن نتاجاً ثانوياً... فماذا أنا؟)
(ولِمَن أنتمي؟)
في تلك اللحظة بالذات نظر راف إلى مَايك.
نظرة قصيرة. أقلّ من ثانية.
لم تكن مفاجأة.
كانت تأكيداً.
ولم يجبه أحد.
ليس بعد.
آدَم لم يدرك ما حدث. لكن شيئاً في المكان أصبح أقلّ خطورة قليلاً مما كان قبل لحظة.
كأن السؤال نفسه كان لجاماً.
(لم نأتِ لنُجيب على هذا الآن يا آدَم.)
مَايك. أهدأ بقليل.
(جئنا لنُريك أين أنت.)
أشار بيده.
انشقّ الفضاء الأبيض.
ليس انشقاقاً مادياً، لا صوت تمزّق، لا حواف. مجرّد انفتاح، كأن البياض كان ستارة، ومَايك سحبها جانباً.
ولم تظهر ذكريات.
ظهرت بيانات.
تيارات من ضوء معقّد. خيوط متشابكة. أنماط متكرّرة لا يستطيع آدَم تسميتها، لكنه يعرف أنها هو قبل أن يُقال له.
ومع كلّ تيارٍ جديد، شعر آدَم بنفسه أكثر وجوداً.
أصلب. أوضح. أكثر قابليةً للوصف.
ولأوّل مرّة فهم، أن أن تُقاس ليس فعلاً محايداً. أن تُقاس يعني أن يضع المكان فيك وزناً. وأن الوزن، إن لم تكن قادراً على حمله، يمكن أن يكسرك.
البيانات لم تكن عرضاً. كانت تركيبة.
كلّ خيط يضيفه مَايك يجعل آدَم أثقل قليلاً، أكثر حقيقية للنظام، وأكثر قابليةً للتصدّع تحت ما يكشفه.
شعر بحوافه تتفاوض مع البياض من حوله. أصابعه، أو ما يحلّ محلّها، لم تعد تعرف بالتحديد أين تنتهي.
مجرّد تردّد الحافة في الإجابة على سؤال "أين أنا؟"
كان عليه أن يدفع شيئاً من نفسه ليُبقي يديه يدين.
(انظر.)
مَايك. يشير إلى مكان في الشلال.
(هذا أنت. ليس اللحم والعظم. هذا النمط. التردّد الذي كان يسكن ذلك الجسد.)
لم تكن هناك ذكريات. لم تكن هناك روائح قهوة أو شاشات مضيئة أو مستشفيات. كل ذلك احترق تحت ضغط القياس. لم يتبق في الشلال سوى خطوط هندسية مجردة، وبيانات صماء ممزقة.
ثم، في المركز تماماً، حيث كادت حوافه أن تنفصل عن بعضها... ظهر وجه. امرأة.
لم يعرفها بالاسم. لم يرها بوضوح. لكن شيئاً في عمق نمطه، استجاب فجأة. انحناء مألوف في تكوينه.
جاذبية هيكلية نقية ضربت المركز ومنعته من التشتت. في اللحظة التي كان يمكن لكيانه أن ينهار نحو الهوامش، كان نمطه لا يزال يحتفظ ببصمة "الانحناء نحوها". ذلك الفعل المجرد هو ما أمسكه.
(أنت هنا.)
راف. وقف الآن. اقترب. وضع يده على كتف آدَم. اللمسة كانت حقيقية، أو ما يعادل الحقيقة هنا.
(في المكان التالي.)
المكان التالي.
سقطت الكلمة كحجر في بئر.
(ما بعد الحياة. ما بعد كلّ ما كنت تعرفه.)
تراجع آدَم. لكنه لم يفقد توازنه. الحواف التي كانت تذوب توقّفت عن الذوبان، ليس لأن الشكوك انتهت، بل لأن شيئاً أعمق منها كان لا يزال يثبت في الداخل.
نظر إلى يديه.
كانتا ترتجفان.
لكنّهما كانتا يديه.
(إذن هذا هو الجحيم؟)
سؤاله. أكثر هدوءاً مما توقّع.
(أم الجنة؟)
(لا هذا ولا ذاك.)
مَايك. أغلق الشقّ بحركة من يده. عادت الستارة البيضاء لتغطّيه.
(ليس مكاناً. هذا وسط. هذا هو الضَّباب.)
(الضَّباب لا يحكم على المعتقدات يا آدَم. الضَّباب يستجيب للتماسك. هذا ليس مكاناً للثواب أو العقاب.)
(هذا مكان للاختبار.)
(اختبار ماذا؟)
(اختبار واحد.)
صمت.
(هل ما تظنّ أنه أنت، هو ما تفعله فعلاً؟)
آدَم لم يجب.
لم يكن لديه إجابة.
وللمرة الأولى منذ بدأت هذه المواجهة، فهم أنه لن يكون لديه إجابة في تلك اللحظة. أو حتى لاحقاً.
السؤال كان أكبر من كلّ ما تعلّمه عن نفسه.
(أنا...)
بدأ. توقّف.
(لا أعرف بماذا أؤمن.)
أجابه راف: (لا أحد يصل وهو يعرف.)
استدرك آدَم الفكرة:
(لكنني أعرف شيئاً واحداً.)
ونظر إلى مَايك.
(أريد أن أفهم.)
(جيد.)
كلمة واحدة، نطقها مَايك.
(الفهم سيكلّفك كلّ ما كنت تظنّه نفسك.)
(لكنه أرخص من البديل.)
نظر إلى راف.
(أعِده.)
البياض بدأ يتلاشى.
ليس فجأة. ببطء. كأن شخصاً يخفض سطوع شاشة عملاقة.
الرمادي عاد يتسلّل من الحواف. الضَّباب المألوف. الضَّباب الذي أصبح، بطريقة غريبة، أقلّ غرابة من البياض.
لم يقل راف شيئاً. ضغطة قصيرة على الكتف، ثم راف نفسه أصبح أبعد.
ثم لم يكن هناك.
وجد آدَم نفسه على السطح.
لم يكن السرير الذي يعرفه.
السرير الذي عرفه في الدورات الأولى كان يستقبله. ينزله من تعبه إلى نومه ببطء، كذراعين تطمئنانه.
هذا السطح لا يستقبل.
يحمل.
كان أصلب. أبرد. أكثر ثباتاً. كأنه صُمِّم ليتحمّل وزن شخص ضربه شيء بنيوي، يحتاج إلى ألّا ينهار تحته.
استلقى آدَم. لم يحاول أن يتذكّر كيف وصل.
حدّق في السقف الرمادي اللانهائي.
أنا ميت.
الكلمات دارت في رأسه.
أنا ميت.
جسدي انتهى.
أنا في المكان التالي.
لم تكن الكلمات أقلّ ثقلاً مما كانت في البياض.
لكنها لم تعد تكسره.
أنا ميت. لكنني أفكّر.
أنا ميت. لكنني أشعر.
أنا ميت. لكنني... أنا.
لم يقل لنفسه إن المعركة بدأت أو إن لديه مشروعاً جديداً. لو حاول لكانت كذبة، والكذب هنا له وزن، وقد تعلّم اليوم كم يكلّف الوزن الجديد.
شيء واحد بقي.
في مكان ما خلف صدره الذي ليس صدراً، تحرُّك خفيف. وعد لا يعرف صاحبه بعد. شكل لم يستردّ بعد اسمه. لكنّه يملك من الكثافة ما يكفي ليبقى.