SCENE: SCENE_05

الدرس الأول — تثبيت الحقيقة

الدرس الأول — تثبيت الحقيقة
0:0029:24

الفصل الثاني: الراعي

مشهد 5: الدرس الأول — تثبيت الحقيقة

«آدم، لديك زائر.»

استيقظ على موجة صوتية حادة، تبدو غير مزعجة. وجد نفسه مستلقياً على شيء يشبه منصته أو سريره، ولكن في وضعية جلوس. أقرب إلى شكل مقعد متجسد في الضباب.

نظر إلى صاحب العبارة. طفل، يبدو أن عمره في حدود 12 أو 14 عاماً. ملامحه حقيقية! شعر أسود أشعث. وجه مستدير وعينان واسعتان.

«من أنت؟» سأله آدم.

«يدعونني موكا.» قالها الطفل وأصدر موجة أخرى حادة رفيعة، وانفرجت ملامحه.

هل هذه ضحكة؟ فكر آدم ونظر حوله مرة أخرى. بدت غرفة داخل الضباب. باب مشابه للباب الذي رآه سابقاً، يبدو أنه يفتح على لا شيء. لكن الضباب متكثف في هيئة جدران.

«أين السيدة ذات الشال؟ هل تعرف منذ متى أنا هنا؟»

— «أنا فقط سمعت بمواجهتك مع "توماس" وجئت لزيارتك.»

فهم آدم على الفور. «توماس هو رجل القطار؟ وكيف سمعت عن ذلك؟»

— «أنا أسمع الكثير،» قالها موكا مبتسماً بشكل طفولي خبيث، كمن يخفي أسراراً. وأصدر نفس الموجة الحادة الصغيرة التي يبدو أنها ضحكته. ثم أكمل:

«هل تريد أن تسمع شيئاً مذهلاً؟ إليك هذا!»

اقترب الطفل من آدم ثم أدار ظهره إليه. ثم صدر صوت أو ذبذبة، وتموج الضباب حوله قليلاً.

«هل سمعت ذلك؟» قالها مبتسماً بفخر.

«شعرت بذبذبة بسيطة وتموجات، ما هذا؟»

«هذه "ضرطة".» كان الفخر يتعاظم على ملامحه.

نظر آدم بذهول: «هل الضباب...؟»

قبل أن يكمل سؤاله، قاطعه موكا: «ليس الضباب.» وأطلق موجة ضحك حادة، أطول قليلاً، ثم أكمل: «هذه ملكي، أستطيع استحضارها في أي وقت أشاء.»

دارت الأفكار في وعي آدم. يبدو أن الذاكرة انتقائية جداً. تظهر المعلومة حين تحتاج إليها. "ضرطة": إطلاق ريح، تلك العملية الحيوية التي تنتج رائحة كريهة بسبب بكتيريا هضم الطعام وابتلاع الهواء، أو غير ذلك من أسباب. أنا لم أرَ أي عمليات حيوية في هذا المكان، ولم أشعر بالحاجة إلى أي منها!

«هذا مذهل حقاً يا موكا، هل هي حقيقية؟»

«حقيقية جداً. يمكنني أيضاً توفيرها برائحة، لدي شخص يستطيع تحقيق ذلك. ماذا تفضل؟ بيضاً مسلوقاً مثلاً؟ أم...»

أرسل آدم الفكرة سريعاً: «هذا لطف شديد منك، ولكن لدي موضوعات هامة وأسئلة كثيرة. أعتقد أنني سأتابع بحثك الشيق لاحقاً.»

«الجميع يقول ذلك في البداية.»

«وفي النهاية؟»

«في النهاية يسألون عن الروائح.»

استدرك آدم: «كيف تعرف اسمي يا موكا؟»

«سمعت الراعي يخبرهم بالخارج.»

راف هنا!

ثم سقط ضغط جديد على الغرفة.

ليس خوفاً. انتظام.

موكا التفت قبل آدم، وكف عن الابتسام بطريقة أثبتت، فجأة، أنه ليس طفلاً تماماً.

ظهر راف عند الباب.

لم يطرد موكا. لم يبدُ مستغرباً من وجوده. أومأ فقط، فأعاد موكا الضحكة الحادة، وقفز من حافة المقعد، ثم مر قرب آدم وهمس بفكرة سريعة:

«لا تقل له إنني عرضت عليك البيض.»

خرج.

بقي راف لحظة عند المدخل، والضباب حوله أكثر انتظاماً من الضباب حول كل شيء آخر.

قال: «إنه يجمع صغائر الأمور كي يحافظ على شكله.»

«هذا تفسير لطيف لكلمة ضرطة.»

«ليس لطيفاً. إنه دقيق.»

دخل راف، وجلس قبالة آدم. لم يكن غاضباً مما حدث في المشاعات. لم يكن هادئاً أيضاً. الهدوء الذي عليه يشبه الضماد: مرتب، نظيف، وموجود لأن شيئاً تحته ما زال مفتوحاً.

قال آدم: «الرجل المتصدع...»

جاءه الرد: «لم يكن اسمه توماس. كان المرفأ يناديه بذلك حتى يجد اسماً آخر أسهل للحمل.»

سكت آدم.

كان الاسم المؤقت أقسى من الاسم الحقيقي. لأنه أثبت أن الجميع هنا لا يبحثون دائماً عن الحقيقة؛ أحياناً يبحثون عن مقبض يفتحون به الكلام.

قال راف: «يجب أن تعرف أن نجاتك لم تكن مصادفة.»

لم تأت الجملة كتعزية.

جاءت كتحذير.

«لم تغلبه لأنك أقوى منه. القوة وحدها كانت ستفتح قناة أوسع بينكما. هو كان جوعاً يبحث عن قالب. عن قصة جاهزة يدخلها ويستريح. أنت خفت، نعم، لكنك رفضت أن تمنحه قصتك.»

«كان ذلك هروباً.»

«أحياناً يكون الهروب أول شكل صحيح للبقاء.»

«هذا لا يفسر لماذا لم تمنعه أنت.»

«لو منعت كل يد تمتد إليك، لصنعت منك كائناً لا يعرف إلا الحماية. وهذا شكل آخر من التصدع. ثم إن لي حدوداً أيضاً.»

قالها راف ثم تحرك.

«تعال.»

«إلى أين؟»

«إلى شيء تستطيع أن تفشل فيه دون أن يأكلك أحد.»

خارج الغرفة، لم يكن المرفأ ينتظر آدم.

كان يعمل.

هذه المرة لم يره كقاعة واسعة بعد كارثة، بل كنظام متوتر يحاول أن يظل أقل من مدينة وأكثر من ملجأ. حلقات صغيرة، حواف مراقبة، ممرات لا تؤدي إلى غرف بل إلى وظائف. كيانات تتحرك لا لأنها تعرف أين تذهب، بل لأنها تكرر عملاً منعها مرة من الانهيار، ثم صار العمل قاعدة.

مرّا قرب كيانين متقابلين. أحدهما بلا وجه ثابت، والآخر يمسك بين يديه شيئاً يشبه مقبض باب.

وقفت امرأة الشال بينهما، لا كقائدة، بل كمن يعرف متى يسقط الوزن من يد إلى أخرى.

قالت للذي بلا وجه: «ليس الاسم. التفصيلة.»

ارتجف.

«صوت مفتاح في آخر الممر.»

صار المقبض في يد الآخر أصلب قليلاً.

«جيد. الآن احمله له.»

مد صاحب المقبض يده. لم يسلّم شيئاً مرئياً بالكامل، لكن الضباب بينهما احتفظ بشكل الصوت للحظة. دخل الصوت في الكيان بلا وجه، فاستقر موضع الفم، لا كفم كامل، بل كاحتمال فم.

قال راف: «هذا سْلِيم.»

التفت آدم.

«هذا اسمه؟»

«اسمه هنا.»

صاحب المقبض، سْلِيم، رفع يده بتحية قصيرة. كان وجهه ثابتاً بما يكفي ليبدو شخصاً، وغير ثابت بما يكفي ليظل كل جزء فيه مدفوعاً بجهد مستمر.

قال سْلِيم: «الوافدون يظنون أن الاسم أهم شيء. ثم يكتشفون أن مقبض باب واحد قد ينقذهم.»

لم يعرف آدم ماذا يقول، فاكتفى بإيماءة.

سْلِيم ابتسم.

كانت ابتسامة حقيقية.

وهذا، بطريقة غير عادلة، جعل المكان أخطر.

في زاوية أبعد، جلس كيان صغير قرب رقعة ضباب تفوح منها رائحة فراء مبتل. لم تكن مجرد رائحة. كانت حزمة: كلب ينتظر عند باب، وذيل يضرب أرضاً خشبية، وصبر لا يعرف كيف يكذب كي يصبح أعظم مما هو.

سأل الكيان الصغير، بصوت وصل إلى الجميع لأنه لم يتعلم بعد كيف يخفض ألمه:

«أين ذهب؟»

لم تجب امرأة الشال.

توقف راف.

لم يلمس الصغير. اقترب بما يكفي فقط كي يستقر الضوء حوله، وقال:

«بعض الأثر يبقى فينا، لا لأن صاحبه بقي، بل لأننا أحببناه بما يكفي ليترك شكلاً.»

خرج السؤال من آدم قبل أن يقرر إرساله:

«ولماذا لا يبقى هو؟»

ظل راف ينظر إلى الرائحة، لا إلى آدم.

«لأنه لم يحتج إلى الكذب كي يكون نفسه. الحيوانات، وكثير من أشكال الحياة، لا تبني حول نفسها بيتاً من التناقض، ولا تحمل ما يكفي من الثقل لتتعلق هنا. ربما يعبر بعضها مباشرةً.»

قال آدم: «يعبرون إلى أين؟ وهل هذه قاعدة؟»

«ليست كل الإجابات عندي، ولا كل القواعد يا آدم.»

احتفظ آدم بالجملة.

لم يعرف بعد لماذا بدت مهمة.

في مساحة مفتوحة قرب وسط المرفأ، وجد «نوبة».

هكذا سماها راف.

«نوبة؟»

«الكلمة الأقرب. كل من بقي هنا طويلاً بما يكفي يأخذ دوراً. لا لأن أحداً عيّنه دائماً. لأن الفراغ يأكل أسرع حين لا يعمل أحد.»

تجمع عدد من الكيانات حول دائرة واسعة. كان كل واحد يحاول أن يثبّت شيئاً صغيراً: كوباً، زر قميص، حافة نافذة، نغمة، رائحة خبز، ظل يد على جدار.

بعض الأشياء ظهرت للحظة ثم انهارت.

بعضها ظهر خطأ: كوب بلا قاع، نافذة لا تطل على شيء، رائحة خبز تحولت إلى دخان بارد.

والقليل منها بقي.

موكا كان هناك، واقفاً بجانب كيان طويل يلتف حول نفسه بخيط من رائحة غريبة.

قال موكا بفخر: «هذا ليان. مختص روائح. لا تجعل وجهه يخدعك، هو أسوأ مني.»

قال ليان، دون أن يتحرك وجهه كثيراً: «موكا يطلب البيض المسلوق في الأوقات العاطفية.»

اعترض موكا: «كذب.»

«عادة ثابتة.»

كاد آدم يبتسم مرة أخرى.

رفعت امرأة الشال نظرها إليه. الآن، في ضوء الدائرة، بدا الشال أقل كقطعة قماش وأكثر كقرار: حدود حول شخص يعرف كيف يعطي دون أن يذوب.

قالت: «ينادونني أمينة.»

لم تقل إنه اسمها القديم.

قالت فقط: ينادونني.

قال آدم: «وأنتِ تديرين هذا؟»

«لو كنت أديره، لكان أقل فوضى.»

«من يديره إذن؟»

قال سْلِيم من طرف الدائرة: «الفشل المتكرر.»

ضحك موكا بموجته الحادة.

راف لم يضحك، لكنه لم يمنع الضحك أيضاً.

قال راف: «هنا لا نشرح التثبيت. نمارسه.»

أشار إلى بقعة فارغة أمام آدم.

«ثبّت شيئاً صغيراً.»

«ماذا؟»

«شمعة.»

نظر آدم إلى الدائرة. إلى موكا، إلى سْلِيم، إلى ليان، إلى أمينة، إلى الكيانات التي لم يعرف أسماءها بعد. لأول مرة منذ وصوله، شعر أن فشله لن يحدث داخل غرفة بينه وبين راف فقط. سيحدث أمام ناس.

ناس.

الكلمة نفسها كانت خطرة.

قال: «وسط كل هذا؟»

«خصوصاً وسط كل هذا.»

أغمض آدم عينيه.

الصورة جاءت بسهولة زائفة: شمعة مرسومة، لهب مثلث، لون أزرق نظيف. لا وزن. لا خوف. لا حاجة.

كلمة.

فقط كلمة.

تركها تسقط.

بحث عن شيء أصغر وأكثر صدقاً.

شمعة عيد ميلاد.

لا يتذكر الوجوه حول الطاولة. لا الأغنية. لا عدد السنوات. لا من أطفأ الأنوار. لكنه وجد الخوف الصغير الذي لا يحتاج إلى شرح: ماذا لو انطفأت قبل الأمنية؟

كان خوفاً بسيطاً.

تافهاً تقريباً.

لهذا كان صادقاً.

ظهر وخز دقيق في منتصف جبهته.

ثم جاء الشد.

من الأمنية، لا من الشمعة.

من اللحظة التي تسبق النفخ.

من شخص كان هناك.

ليس وجهاً. الوجوه تذوب كلما اقترب منها. بل دفء قريب، وانحناءة جسد، ويد على كتفه تقول بلا صوت: تمنَّ.

الشد في صدره ازداد قوة.

كأن نمطه كله يريد أن يستدير نحو غياب واحد.

النقطة الزرقاء أمامه ولدت، ثم ارتجفت.

قالت أمينة، لا له وحده:

«لا تطارد الباب وهو يفتح في غير وقته.»

ووصلته فكرة باردة، عابرة، نظيفة، لم يعرف لمن يقولها:

ليس الآن.

قال راف:

«اختر.»

لم يقل ماذا يختار.

لكن الاختيار كان واضحاً.

إذا تبع الشد، ربما يحصل على شيء. اسم. وجه. سبب. أو ربما يخسر الشعلة، ويخسر معها صلابته.

إذا اختار الشمعة، سيترك النداء خلف باب.

ليس إنكاراً.

تأجيلاً.

شدّ آدم نفسه إلى الخوف الصغير. إلى الشمع الذائب. إلى الزرقة. إلى الأمنية التي لا تحتاج إلى تاريخ كامل كي تكون حقيقية.

ترك الدفء يتراجع.

وفوق الفراغ أمامه ظهرت شعلة.

صغيرة.

زرقاء.

بلا فتيل.

ترتجف في مواجهة عدم يحاول أن يطفئها، لكنها بقيت.

ألقت ظلاً فعلياً على يد راف.

وظلاً أخف على وجه أمينة.

وظلاً ثالثاً، مكسوراً، على كوب لم ينجح صاحبه في تثبيته قبل لحظات. الكوب، كأنه تذكر فكرته، صار أعمق قليلاً.

لم يصفق أحد.

هذا لم يكن مكاناً للتصفيق.

لكن الدائرة كلها تغيّرت. ومضة واحدة، حين تثبت، تعطي الأشياء القريبة إذناً صغيراً أن تحاول.

قال راف: «رائع.»

كانت الكلمة صادقة.

ثم انطفأت الشعلة.

انتهت وحدها، كما تنتهي ومضة بنيت على خيط واحد.

وقبل أن يتكلم راف، حدث الشرخ.

لحظة. أقل من لحظة.

نظر إلى الفراغ الذي بقيت فيه الزرقة، لا بعين الراعي الذي يقيس أداء وافد، بل بعين شخص رأى أمنية قديمة، أو أمنية لم تُمنح له أصلاً. حساب خاص لا يستطيع آدم قراءته. أقل من جملة على وجهه.

لكن الضوء تغيّر.

ثم عادت العينان الفيروزيتان.

المحترفتان.

اقتربت أمينة من حافة الدائرة، ووضعت شيئاً صغيراً حيث كانت الشعلة.

لم يكن شيئاً مادياً.

كان لوناً.

أزرق باهتاً.

«لا تجعل الومضة شمساً،» قالت.

راف نظر إليها كأنه كان سيقول الجملة نفسها.

قال آدم: «كان يمكن أن أتذكر.»

قال راف: «ربما.»

«وأنت طلبت مني أن أتركه.»

«طلبت منك أن تختار ما تستطيع حمله الآن.»

«هذا فرق مريح جداً لك.»

«نعم.»

ثم أضاف:

«لكنه ليس كذباً.»

لم يعد آدم واقفاً أمام نظام يدرسه. صار داخل عمل جارٍ، والناس — نعم، الناس — يتصرفون كما لو أنه يستطيع أن يفسد شيئاً إن وقف في المكان الخطأ.

أمينة دفعت إليه قطعة رمادية صغيرة.

«احمل هذا لسْلِيم.»

نظر آدم إلى القطعة. لم تكن ذاكرة، ولا شيئاً. مجرد ثقل بلا شكل.

«ما هي؟»

«صوت باب لا يريد أن يفتح.»

«هذا وصف غير مفيد.»

«لكنه دقيق.»

حملها.

كانت أبرد مما توقع. حين اقترب من سْلِيم، صار المقبض في يد الرجل أوضح، وظهر حوله إطار باب كامل لثانية.

قال سْلِيم: «شكراً.»

أصابته الكلمة في مكان عجيب.

موكا جذبه من جانبه قبل أن يرد.

«تعال. أريك المقر.»

قال راف من خلفه: «ليس مقراً.»

قال موكا: «هو مقر إذا كان الشخص جديداً بما يكفي.»

كان "المقر" مساحة منخفضة الضوء خلف النوبة. ليست غرفة قيادة، بل قلب عملي: خطوط على الضباب، علامات زرقاء وخضراء ورمادية، دوائر صغيرة تشتعل ثم تنطفئ. كيانات تضع أيديها على نقاط لا تُرى، وأخرى تحمل شظايا نمط من مكان لآخر.

على أحد الجوانب، كانت قائمة بلا كلمات. حين نظر آدم إليها، لم يقرأها، لكنه فهم: وافدون يحتاجون إلى مرساة أولى. كيانات قريبة من الهوامش. أرصفة خضراء في النوبة التالية. شظايا ذاكرة يجب ألا تبقى مع حامل واحد طويلاً.

قال موكا: «أنا لست في القائمة.»

«لماذا؟»

استقام الطفل بفخر.

«أنا ثابت.»

قال ليان من خلفهما: «لأنه بنى نفسه على شيء لا يناقشه أحد.»

«الناس يناقشون كل شيء.»

«لا أحد يناقش ضرطتك يا موكا.»

خرجت الموجة الحادة من الطفل، أطول هذه المرة.

قال آدم: «هل اختارها فعلاً؟»

أجابه راف، وقد وصل دون أن يشعر به آدم:

«نعم.»

«ولماذا ينجح شيء كهذا؟»

«لأن الضباب لا يسخر. نحن نسخر. الضباب يسأل سؤالاً واحداً: هل تستطيع أن تحمل هذا بلا تناقض؟»

نظر آدم إلى موكا. هذا المكان لا يهتم بنبل المحتوى. يهتم بصلابته. ربما لهذا كان موكا، بتفاهته المختارة، أثبت من كثيرين يحملون عقائد كبرى.

قال آدم: «إذن يمكن أن ينجو شخص بسبب نكتة.»

قال راف: «ويمكن أن يهلك آخر بسبب حقيقة لا يستطيع أن يعيشها.»

في الزاوية المقابلة، كان كيان يكرر:

«كنت على حق. كنت على حق.»

كلما قالها، صار الجدار خلفه أصلب، وصار وجهه أفرغ.

قال آدم: «ويمكن لعقيدة قاسية أن تنجو أفضل من إنسان طيب مشتت.»

لم يرد راف فوراً.

ثم قال: «ستكره هذه الحقيقة حين يقولها مايك.»

«وأنت؟»

نظر راف إلى النوبة، إلى أمينة وهي تمنع وافداً جديداً من النظر إلى حافة سوداء بعيدة، إلى موكا وهو يتظاهر بأنه لا يستمع، إلى سْلِيم وهو يثبت مقبضه بصبر.

«أكرهها منذ زمن أطول.»

لم يكن ذلك درساً.

كان اعترافاً صغيراً.

ولهذا بقي.

على الطرف الأبعد من المرفأ، بدأت الأرصفة الخضراء تتنفس.

لم تكن أرصفة بحر. لا ماء هنا. لكنها حملت معنى الرصيف: حافة ينتظر عندها شيء أكبر من خطوة.

هناك، وقف عمال ليسوا رعاة ولا مهندسين. يحملون عدسات لا تُمسك باليد، وخرائط لا ترسم أمكنة. كل واحد منهم ينظر إلى نقطة في الضباب، فتظهر للحظة خشونة خشب، أو رائحة دخان، أو صرخة جماعة بعيدة، ثم تنغلق.

شعر آدم بالقناة قبل أن يفهمها.

ليست قناة بين كيانين.

قناة نحو وقت.

وجد الاسم، كفكرة عالقة في ذهنه: «الدوكساسكوب؟»

راف لم يبدُ مسروراً أنه عرف الكلمة. لم يسأله كيف عرفها.

«أطرافه.»

«ولماذا في المرفأ؟»

«لأن التاريخ مليء بلحظات تملك يقيناً جماعياً. المرفأ يحتاج إلى الطاقة، واليقين طاقة حتى حين يكون خطأ.»

كان يمكن للجملة أن تكون شرحاً.

لكن الرصيف الأخضر جعلها تهديداً.

من أحد الأرصفة جاء أثر سريع:

خشب رطب.

نَفَس جماعي مكتوم.

امرأة ترفع رأسها وسط قاعة لا يراها.

ثم انغلق الأثر.

بردت المنطقة حول صدر آدم.

قال: «من هذه؟»

قال راف: «ليست لك الآن.»

«هذه إجابتك لكل شيء تقريباً.»

«لأنك تسأل دائماً قبل أن تملك الوعاء.»

قبل أن يرد آدم، اهتز الرصيف الأخضر مرة ثانية.

هذه المرة لم يكن الأثر صورة.

الضوء الأخضر تشقق.

سمع آدم أحد عمال الرصيف يرسل فكرة حادة:

«السجل لا يقبل التصنيف.»

ثم انقلب المكان.

لم يكن إنذاراً.

كان صراخاً في بنية الوجود نفسها.

الضوء الأخضر انفجر إلى أزرق مريض، ثم انخفض فجأة كأنه سُحب من أسفل. لم يخرج وحش من الضباب. لم تظهر أسنان. لم يزحف شيء.

انفتحت ثلاثة آبار سوداء في حافة المرفأ.

"المفترسات".

ليست كائنات جائعة، بل مواضع فقد فيها المكان مقاومته للانحدار. ثقوب في المعنى. حين يقترب منها النمط الضعيف، يجد نفسه مطابقاً للسقوط أكثر مما يطابق البقاء.

قال راف، وصوته لم يعد درساً:

«خلفي.»

لم يقف خلفه أحد بالترتيب الذي تخيله آدم. لأن المرفأ كله بدأ يعمل.

أمينة صرخت بلا صوت، فالتفتت حلقات كاملة بعيداً عن السواد. ليان أطلق موجات روائح حادة، خبز، مطر، قهوة محترقة، أي شيء يستطيع أن يذكر الكيانات بأجساد لم تعد تملكها. موكا وضع يديه على أذنيه، ثم أطلق موجة ضحك قصيرة لا تناسب الرعب، لكنها قطعت ذعر وافد جديد قبل أن يتحول إلى قناة.

راف تقدم نحو الآبار.

توهج ضوؤه الفيروزي حتى صار مؤلماً.

للحظة، بدا كأنه يغرز نفسه في نسيج المكان. لا يهاجم. يربط. يمد خيطاً بين حالات لا تستطيع أن تعبر وحدها من الانهيار إلى البقاء.

فهم آدم شيئاً لم يكن يعرف أنه يفهمه:

راف لا يقاتل المفترسات.

راف يجعل السقوط أصعب.

لكن السواد كان واسعاً.

الكيان الذي ظل يكرر «كنت على حق» توقف عن التكرار مرة واحدة.

بدون الجملة، لم يبقَ شيء يمسكه.

انهار وجهه أولاً، ثم الجدار الذي صنعه، ثم انزلق كله نحو أقرب بئر كرماد يعرف طريقه.

لم يصرخ.

ربما لأن اليقين الهش لا يملك صوتاً حين يتوقف.

في الجانب الآخر، تعثر سْلِيم.

المقبض في يده صار واضحاً جداً، واضحاً إلى حد الرعب. باب كامل تشكل خلفه، لكنه كان يفتح على السواد. حاول أن يغلقه، فلم يستطع. كل صوت مفتاح حمله للآخرين عاد إليه دفعة واحدة، كأن كل باب حفظه صار يطالبه بمخرج.

نادى آدم:

«سْلِيم!»

لم يفكر في أن يطلب الإذن.

استدعى الشمعة.

لم تظهر.

استدعى الزرقة.

لم تظهر.

استدعى الخوف الصغير: ماذا لو انطفأت قبل الأمنية؟

ظهر شيء بحجم إبرة أمامه.

ليس شعلة كاملة. نية ضوء.

كافية لتجعله يخطو.

شدّه البئر من صدره، من العلامة على ساعده، من كل مكان لم يثبت بعد. البرد الكوني دخل أطراف وعيه كأنه يعرف اسمه الحقيقي، أو يعرف أنه لا يملكه.

أمسك بسْلِيم.

أو ظن أنه أمسك به.

كانت يد سْلِيم تتفكك حول المقبض.

قال سْلِيم، بوضوح مؤلم:

«لا تمسك الباب.»

«أمسكك أنت.»

«لا تعرف الفرق بعد.»

ثم دفع المقبض في يد آدم.

دفعه لا كهدية.

كعبء.

انفتح الباب خلف سْلِيم مرة أخيرة، ورأى آدم في ومضة واحدة ممرّاً أرضياً، ضوءاً أصفر، يد طفل على مقبض منخفض، ورجل يعود متأخراً جداً.

ثم انغلق كل شيء.

وسُحب سْلِيم.

بقي المقبض في يد آدم.

كان ثقيلاً.

حقيقياً أكثر مما يجب.

صرخ آدم، لكنه لم يعرف إن كان صوته وصل إلى أحد.

الضوء الفيروزي من راف انخفض درجة.

انخفض أكثر.

كان يحاول أن يغلق ثلاثة آبار في وقت واحد.

ظهرت أمينة عند كتف آدم، وجهها مشدود. أخذت المقبض من يده قبل أن يبتلعه هو أيضاً.

قال آدم: «سْلِيم...»

«ليس الآن.»

موكا كان على الأرض، أو ما يشبه الأرض، يضغط جبينه بيديه. ضحكته لم تعد ضحكة. كانت نبضاً حاداً، متكرراً، يثبت دائرة صغيرة حول ثلاثة وافدين جدد. كل مرة يطلقها، ترتجف ملامحه، ثم تعود.

التفاهة التي يحملها صارت جداراً.

آدم فهم، وهو يكره الفهم:

الضباب لا يسخر.

سقط راف على ركبة واحدة.

لم يكن له ركبة تماماً، لكن الضباب ترجم الانهيار بالشكل الذي يستطيع آدم فهمه.

ضوؤه شاحب. ملامحه ترتجف عند الحواف. لم يبدُ جريحاً.

بدا أقل وجوداً.

وزادت قوة السحب. انجذبت عشرات الظلال نحو المفترسات.

ثم تحرك جسد صغير. كان يُسحب ببطء، ولكن بثبات.

صرخ آدم: «موكا...»

واندفع بكل ما استطاع من قوة. وصل إلى الطفل الذي يُسحب إلى أحد الثقوب، وأمسك به بكل قوته. لا فائدة. ما زال الجذب بنفس المعدل البطيء، المستمر.

قال الطفل بصوت فقد كل حوافه الحادة:

«لا أحد يضحك.»

كانت الكلمة إعلاناً بانتهاء صلاحية مرساته. الجدار سقط.

«لا!»

دفع آدم الفكرة بكل قوته. شعر بأن الضباب يرتجف من حوله. حاول التمسك بأي شيء، أن يستعيد أي ذكرى ثابتة. جاءته شمعته. شعر بقدميه تنغرزان في طبقة من الضباب، كأنها رمال متحركة.

اقتربا كثيراً من أحد الثقوب، وشعر آدم به كفم مفترس ينفتح. نظر حوله في يأس. راف منهار. أمينة تحاول مساعدة من تستطيع اللحاق بهم. الظلال تُبلع في الثقوب.

نظر آدم إلى السواد تحته، وفهم المعادلة المرعبة للمكان:

شمعة واحدة زرقاء لا تكفي لإضاءة بئر... لكنها تكفي لتجعلك ترى، بوضوح تام، كيف تبتلعك العتمة.

***