تم استلام بيانات جديدة من النظام.
انتظَرَ.
حتى تلاشى أثر مايك في النسيج. حتى تأكد أن راف بعيد.
إذا كان التماسك وقوداً... فماذا يكون من لا يملك ما يكفي منه؟ هل يصبح خاملاً؟ مستهلكاً؟ خطراً؟ أم جائعاً؟
استحضر تركيزه. ما رآه في جولته السابقة كان الأطراف. هذه المرة استحضر ما هو أعمق، كثافةً أحسّ بها أكثر مما رآها، ضوضاءً تحت الضوضاء.
أنا هناك.
طيٌّ. دوار. وصول.
ولاحظ الفاتورة قبل أن يلاحظ المكان.
شيءٌ فيه أصبح أخف. السرير الذي تركه، صار أبعد بطريقةٍ لا علاقة لها بالمسافة. الطيّ كلّفه. لا يعرف ما التكلفة. يعرف فقط أن الفاتورة سُجّلت في مكانٍ ما من نمطه.
إذاً للحركة ثمن. سأتذكر. اخترت أن أدفع قبل أن أعرف السعر.
—
الضباب هنا أكثر اضطراباً، أثقل، مزدحم بضوضاء فكرية، ليست أصواتاً. لم يكن الممر الذي اكتشفه، أو تلك المنطقة من المشاعات التي رآها في المرة السابقة، ولا كانت منطقة أخرى تماماً. المكان نفسه بدا وقد أزيل عنه طلاء الحياد. الجدار الناقص ما زال عائماً في البعيد، لكن حجارة جديدة ظهرت حوله، ثم اختفت قبل أن تكتمل. الدرج الحلزوني فقد بِضع درجات من أعلاه. نافذة بلا بيت فتحت على فراغ رمادي، وفي إطارها ستارة بالية تتحرك بلا هواء.
شظايا صغيرة من حياةٍ بشرية طفت حوله كحطام بعد فيضان: مفتاح صدئ لا باب له، يد كرسي مكسورة، قطعة قماش مطرزة بحرف لم يكتمل، كعب حذاء نسائي يدور ببطء حول نفسه ثم يتلاشى.
كانت هناك ظلال منفردة، تمر سريعاً.
تذكّر قاعدة الظلال: النظر طويلاً يُلاحَظ. الملاحظة اتصال. أبقى نظراته عابرة. تحرّك بهدوء.
وهذا كان أول خطأ في حساباته.
هو افترض أن النظر وحده هو الخطر.
لاحظه.
ظلٌّ على هامش المنطقة الكثيفة من الضباب، يتحرك باضطراب. كمن يبحث عن شيءٍ مفقود.
وجهه غير مستقرّ. ملامحه ترتجف كصورة تلفازٍ يفقد الإشارة. شابٌّ أسود الشعر — كهلٌ بتجاعيد — طفل — وجهٌ بلا ملامح إطلاقاً. الدورة لا تتوقف.
فكر: ليس مخيفاً. أراه مثيراً للشفقة.
كل بضع ثوانٍ، تتحرك أطراف الظل في حركة صغيرة، كما لو كان يتحقق من ورقة بين أصابعه. ثم يبحث في مكان جيبٍ لا يوجد. ثم يربت على صدره، كأن شيئاً يجب أن يكون هناك: بطاقة، تذكرة، صورة، وعد. كل مرة لا يجد شيئاً، ينكمش طرف من وجهه أكثر.
متصدّع. رجل القطار!
كان عليه أن يبتعد. كان عليه أن يتذكّر القاعدة. لكنه وقف. مأخوذاً. كأنه يدرس آلةً تتفكّك.
ثم صحح نفسه: كان يدرس كياناً يتلاشى.
والرجل شعر به.
التفت الظل.
الفراغ الذي يُفترض أن يكون وجهاً، توجّه نحوه. ملامح بدأت تتشكّل. تبدو كأنها تتولَّد استجابةً لوجود آدم. أو كأن وجوده نفسه قالبٌ يحاول الفراغ أن يصبَّ نفسه فيه.
«كان يجب أن أركب القطار... تذكرتي في جيبي... لكنني لا أجد جيبي.»
ثم، بحدّةٍ كصوت حكِّ معدنٍ على زجاج:
«أنت واضح!»
وقف آدم متجمّداً.
النظر فتح القناة. لكنه كان فتحاً ضيقاً. كالشق في باب. يكفي لأن يراه الآخر، لا يكفي لأن يدخل.
الخطوة الثانية: أن يتواصل معه. كان جزء منه يعرف هذا قبل أن يفعله.
وجزء آخر، أكثر غباءً أو أكثر إنسانية، رأى كائناً مذعوراً يبحث عن تذكرة لا يملك جيباً ليضعها فيه.
دفع آدم فكرته بحذر، محاولاً أن يجعلها رقيقة، غير حادة، لا يعرف إن كان ذلك ممكناً:
«لا توجد قطارات هنا.»
في لحظة واحدة، وجد نفسه أمامه. وأمسك الرجل بساعده.
اليد التي كانت شفافةً كالدخان أصبحت — شيئاً. كلمة "صلب" لا تنطبق هنا تماماً. كلمة "بارد" أيضاً لا تبدو دقيقة. لا أعصاب لتنقل البرودة. كيف أشعر بالبرد وأنا لا أملك جلداً؟ كيف تقبض أصابعه على ذراعي بقسوة صلبة وأنا بلا عظام؟ ترجم ما يحدث إلى لغة الجسد القديم لأن لغته الجديدة لم تُكتب بعد.
برودة. كذبةٌ مفيدة. صلابة. كذبةٌ مفيدة. سَحبْ. هذه — هذه ليست كذبة.
شيءٌ يخرج منه. تيارٌ ينزلق عبر نقطة الاتصال. ليس دماً. ليس طاقةً بمعنى ما يصفه راف. وجوداً يتسرّب نحو الفراغ الذي بداخل الكائن الآخر.
ولم يكن عشوائياً، كان يبحث.
كأن اليد لا تسرق منه قوةً عامة، بل تتلمّس داخل نمطه عن قطع قابلة للاستعمال. حافة وجه. ثقل اسم. طريقة نطق اسم. شكل عينين. إحساس أن هناك "أنا" يمكن الوقوف داخله.
«ساعدني!» — موجاتُ يأسٍ خام. «لا أتذكّر وجه ابني! القطع ناقصة! أنت لديك وجه! أعطني!»
ووجه الرجل — الذي كان قبل لحظةٍ فراغاً يتلوّى — بدأ يكتسب ملامح أكثر وضوحاً.
كان الأمر ينجح. لثانيةٍ واحدة، رأى آدم ما كان يمكن أن يراه الرجل لو اكتمل السحب: وجهٌ مُرمَّم. ابنٌ بملامح مسروقة. ذاكرةٌ تستند إلى كذبة لا تعرف أنها كذبة.
ربما كان ذلك سينقذه.
وربما كان سيجعل من آدم قطعةً في شخص آخر.
دفعه آدم بكل ما لديه. ليس بيديه؛ بل شعر بموجة تنافر قوية تصدر منه.
ابتعد! أنا لست طعامك!
موجة رفضٍ مطلقة. كل ذرّةٍ من رغبته في البقاء، مكثّفةً، مقذوفةً عبر نقطة الاتصال في الاتجاه المعاكس.
الرجل انقذف للخلف. ثم انهار.
ليس انفجاراً. انفراطاً. كقلادةٍ، قُطع خيطها فتطايرت حبّاتها. لم يصرخ. أو ربما صرخ، لكن الصرخة لم تجد بنيةً تحملها.
للحظة، بدا وجهه شبه مكتمل.
وجه رجل تعب كثيراً. عينان تبحثان عن شيء ما. مرساة؟ ربما رصيف المحطة. فم يحاول أن يقول اسماً، ثم ينساه في منتصف الحرف.
ثم انقطع الخيط.
شظايا، أو أصغر من شظايا. شعور، أو ذكرى؟
— رائحة خبزٍ طازج.
— صوت امرأةٍ تضحك.
— ثقلُ طفلٍ نائمٍ على الكتف.
— يدٌ صغيرة تشدّ كمّ معطف.
— مطرٌ على سقف محطة.
— خجلٌ قديم من كذبةٍ صغيرة.
— خوفٌ من شيءٍ لم يحدث بعد.
— حُبّ.
— لا شيء.
ثم تبخرت الشظايا. ابتلعها الضباب.
كأنها لم تكن.
وقف آدم في مكانه.
الضباب ابتلع البقية. لكن الضحكة — ضحكة المرأة — تأخّرت لحظة. ذرّةً من ثانية. كأنها قاومت، أو نسي الضباب أمرها، أو لم تعرف أنها يجب أن تذهب.
ثم ذابت هي أيضاً.
لكن قبل أن تذوب، حدث شيء.
شيءٌ في الموضع الافتراضي لصدره. شدٌّ أو جذبٌ. كأن خيطاً مربوطاً في مكانٍ لا يعرف أين يقع، جُذِب فجأة، ثم ارتخى.
هذه لم تكن من حياتي. لماذا استجاب شيءٌ فيّ لها؟
والأسوأ: لم تكن الضحكة مميزة. ضحكة امرأة في صباحٍ ما، مع خبزٍ ساخن أو طفلٍ يرفض ارتداء معطفه أو رجلٍ يتأخر على قطار.
عادية.
لهذا آلمت.
كأن نمطه لم يستجب للضحكة نفسها، بل للشكل الذي حولها: علاقة. قرب. شخصٌ يعرف كيف يضحك لأن شخصاً آخر موجود ليسمع.
علّقها في زاويةٍ من وعيه ليعود إليها لاحقاً، إن سمح الضباب بـ"لاحقاً".
نظر إلى ساعده.
حيث أمسكه، بقعة. ليست كدمة أو جرحاً. منطقةٌ داكنة. كأن جزءاً من الوجود نفسه قد سُحب من ذلك المكان وترك ما لا لون له خلفه.
بدأت تتبدّد ببطء.
لكن البرودة — تلك الكلمة المفيدة الكاذبة — بقيت.
أخذ منّي شيئاً. لا أعرف ماذا. ولن أعرف. لأن ما أُخذ — أُخذت معه ذاكرته.
ثم جاءت الفكرة الثانية، أبطأ. أشنع.
وأنا أخذت منه شيئاً أيضاً.
لم يعرف ماذا يسمي ما فعله. مقاومة؟ دفاعاً عن النفس؟ قتلاً؟ هل يُقتل من كان يتفكك أصلاً؟ هل يُحسب الانفراط موتاً إذا كان الخيط مقطوعاً من قبل أن تمد يدك؟
لا توجد محكمة هنا. راف قالها بصيغة أخرى. لا قاضٍ ولا حكم. الضباب لا يحكم.
وهذا لم يرحه.
لأن غياب القاضي لا يعني غياب الذنب.
—
ركّز. استحضر. المنطقة الآمنة.
أنا هناك.
بدأ الطيّ.
ثم انثنى في داخله على فراغ.
لم يفشل تماماً. الفشل الكامل كان سيكون أرحم: لا حركة، لا محاولة. لكن ما حدث كان أسوأ. رأى سريره كاحتمال بعيد، حافة رمادية في مكان يعرفه، ثم ارتجّ الاحتمال وتشوّه. كأنه يحاول مدّ جسرٍ من خيط محترق.
الفاتورة الثانية كانت أكبر مما يحتمل.
لا أستطيع العودة الآن.
هذه كانت معلومة جديدة. ومخيفة.
عندها فقط لاحظ أنهم لم يختفوا.
الظلال القريبة كانت قد ابتعدت عن لحظة الانفراط، لكنها لم تهرب كلها. بعضها ظلّ في دوائر بعيدة، يراقب كما يراقب الناس حادثاً في شارع لا يملكون شجاعة دخوله. وبعضها اقترب بحذر، لا خطوة ولا مشياً، بل اقتراباً في الكثافة. كأن فضولهم أثقل قليلاً من خوفهم.
«لا تحاول التنقل وأنت مُستنزف هكذا.»
الفكرة وصلت من جانبه الأيسر. جملة عملية، جافة، صادرة من كيان يعرف النصيحة لأنه احتاجها يوماً.
التفت آدم.
امرأة؟ رجل؟ لا. هذا أول حكمٍ يجب ألا يثق به. الكيان كان أقرب إلى هيئةٍ اعتادت أن تُرى كامرأة، ثم تعبت من تصحيح الضباب في كل مرة، واستسلمت لملامح باهتة. على كتفيها شيء يشبه شالاً بنفسجياً، تظهر خيوطه ثم تنقطع. مستقرة بما يكفي لتبدو مرهقة.
لم تقترب أكثر.
«العلامة لا تزال تأكل الحافة.»
نظر إلى ساعده. البقعة الداكنة لم تتبدد كما ظن. كانت أصغر، نعم، لكنها لم تختفِ. طرفها يتحرك ببطء، كأنه يحاول أن يتذكر شكل الذراع ليعيد رسمه.
«من أنتِ؟»
مالت برأسها، كما لو أن السؤال لطيف لكنه غير مفيد.
«لا أحد هنا يحتفظ بـ"مَن" طويلاً. تعال قبل أن يراك جائعٌ آخر.»
لم تعطه يدها.
وهذا، بطريقة غريبة، جعله يثق بها أكثر.
تبعها.
لم يذهب بعيداً. أو ربما ذهب. المسافة هنا لا تعترف بنزاهة القياس. لكنها قادته إلى انخفاضٍ في الضباب، مثل حوضٍ واسع داخل الرمادي. لا أرضية له، ومع ذلك كان الجميع يتصرف كأن له أرضية. مقاعد تظهر حين يجلس عليها أحدهم، ثم تتلاشى حين تُترك. أعمدة بلا سقف. مصابيح شارع تطفئ وتشتعل بلا كهرباء. لوحات قطارات بأسماء مدن لا يعرفها، تتبدل حروفها قبل أن تُقرأ. باب خشبي يقف وحده، يفتحه كيان ويدخل منه إلى المكان نفسه.
كان المكان يشبه محطة. أو مقهى. أو غرفة انتظار في مستشفى قديم.
الأصح: كان يشبه فكرة الانتظار نفسها حين يشترك فيها عدد كافٍ من البشر.
«المرفأ،» قالت، كأنها تجيب عن سؤال لم يطرحه.
«مرفأ؟»
«اسم مؤقت. كل جماعة هنا تسميه بما تستطيع احتماله. البعض يقول محطة. البعض يقول ساحة. البعض يقول قاعة انتظار. الأسماء لا تهم كثيراً.»
حولهم، تجمّعت كيانات أكثر تماسكاً من الظلال التي اعتاد رؤيتها. ليسوا واضحين مثل راف أو مايك، لكنهم ليسوا دخاناً أيضاً. أحدهم يجلس على مقعد خشبي نصفه مدرسة ونصفه حافلة. آخر يحدّق في كوب شاي لا يخرج منه بخار، يلمسه دون أن يشربه. ثلاثة يمسكون خيطاً أزرق رفيعاً بينهم، يرددون ذكرى ما بلا كلمات؛ في مركز الخيط تظهر نافذة مطبخ ثم تختفي.
لم يكن المكان آمناً.
لكنه كان مأهولاً.
وهذا وحده غيّر شيئاً في آدم.
«لماذا لم أرَ هذا من قبل؟»
«لأنك كنت تنظر من سريرك.»
قالتها ببساطة، دون سخرية.
ثم أضافت:
«الوافد يرى ما يحتمله. في البداية، يحتمل سريراً وراعياً وسؤالاً واحداً. ثم يبدأ بالادعاء أنه يريد الحقيقة، فيرى قليلاً من الناس.»
لم يعرف إن كان ذلك مديحاً أم اتهاماً. ربما كلاهما.
جلس على شيءٍ لم يكن مقعداً قبل أن يحتاجه. ظهر تحته ببطء: لوح خشبي، ساقان غير متساويتين، ظهرٌ محفور عليه حرفان لا يعرفهما. مقعد من ذاكرة شخص آخر.
البقعة على ساعده خفّت أكثر.
ذات الشال جلست أمامه، لا بقربه. «كلمته، أليس كذلك؟»
لم يكن سؤالاً حقيقياً. أجابها:
«كان يتألم.»
— «كلهم يتألمون.»
«كان يبحث عن ابنه.»
شيء في ملامحها تحرك. ليس تعاطفاً فقط. معرفة قديمة.
«أو عن فكرة أن له ابناً. هذا يكفي للجوع.»
قال آدم:
«هل كان يجب أن أتركه؟»
سكتت. من حولهما، مرّ كيان يحمل بين يديه شيئاً كصندوق موسيقى. لم يصدر صوتاً، لكن وجوه ثلاثة حوله أضاءت لحظة، كأن اللحن وصل إليهم عبر طريق آخر.
«لا أعرف،» قالت أخيراً.
كان ينتظر منها حكمة. قاعدة. جملة من نوع الجُمل التي يحب هذا المكان أن يلقيها عليه ثم يتركه ينزف تحتها.
ثم تابعت:
«أحياناً نتركهم، فينجرفون. أحياناً نقترب، فيأكلون منّا. أحياناً نثبتهم، فيعودون يوماً، أو دورةً واحدة، ثم يجوعون أكثر. لا أحد هنا يملك جواباً نظيفاً.»
نظرت إلى ساعده.
«لكننا نملك قواعد صغيرة. لا تلمس الجائع. لا تكلم المتصدع إن كنت وحدك. لا تعرض عليه وضوحك كأنه صدقة. الشفقة قناة مفتوحة.»
سألها: «ولو تركته يأخذ قليلاً؟»
«كان سيأخذ حتى يصبح أنت. ثم ينسى لماذا احتاجك.»
لم يكن في الجملة قسوة. وهذا جعلها أقسى.
«هل يحدث هذا كثيراً؟»
أشارت بيدها نحو المرفأ.
«كل شيء هنا يحدث كثيراً. لهذا صار له مكان.»
نظر حوله مرة أخرى. لم يعد يرى ديكوراً غريباً فقط. بدأ يرى وظائف.
هناك حلقة للذين لا يستطيعون تذكّر وجوههم، يجلسون متقابلين، يصف كل واحدٍ منهم للآخر شيئاً واحداً يتذكره عن نفسه. ليس الاسم. الاسم يبدو ترفاً. تفصيلة: ندبة فوق الحاجب. رائحة زيت على اليدين. طريقة ربط حذاء.
هناك زاوية لمن خافوا من الهوامش، يتعلمون ألا ينظروا نحو السواد. كيان أقدم يرشدهم إلى تثبيت نقطة رمادية أمامهم، نقطة لا تعني شيئاً، ولهذا لا تسحبهم.
وهناك طاولة، أو ما يشبه طاولة، حولها كيانات تتبادل شظايا صغيرة. لا بيعاً. لا تجارة. أقرب إلى إسعاف. واحد يعطي آخر رائحة مطر مقابل لون باب. ثالث يحفظ للجميع مقطع أغنية حتى لا ينكسر.
الذاكرة هنا لم تكن ملكية فردية.
كانت شيئاً ينجو أحياناً لأن أكثر من كيان قرر أن يحمله.
«هذا ليس مستشفى،» قال آدم.
ابتسمت الهيئة ذات الشال. كانت ابتسامة قصيرة، شبه مكسورة.
«لا. المستشفى في مكان آخر. هنا ما يحدث قبل أن يعترف الوافد بأنه مريض.»
«ومن يدير هذا؟»
نظرت إليه كما لو أنه سأل سؤالاً أكبر مما يظن.
«أحياناً الرعاة يساعدون. أحياناً المهندسون يضعون حدوداً. لكن معظم الوقت؟ نحن. الذين بقوا بما يكفي ليتعلموا ألا يبتلعوا بعضهم.»
لم تكن تلك إجابة مطمئنة.
كانت، بشكل غريب، أول إجابة جعلت المكان يبدو حقيقياً.
الشدّ خلف صدره عاد، أخفّ هذه المرة.
لا علاقة له بساعده. ولا بالرجل المتصدع. كان هناك شيء في المرفأ نفسه، في هذه المحاولة الجماعية البائسة لصنع مكان من بقايا الانتظار، يضغط على الخيط ذاته.
امرأة تضحك.
شخص يسمعها.
مقعد ينتظر.
يدٌ صغيرة تشدّ كمّ معطف.
هذه ليست ذكرياتي.
لكن النفي بدأ يفقد صلابته.
ربما الذكرى ليست الشيء الوحيد القادر على ترك أثر.
«أصابك شيء غير العلامة.»
رفع نظره إليها.
أشارت إلى موضعٍ في صدرها، المكان الذي اختار الضباب أن يترجم فيه الفكرة.
«هنا.»
تجمّد آدم.
«ما هو؟»
«لا أعرف. لكنه ليس من الجائع. الجائع يأخذ من الأطراف. هذا...» توقفت، كأنها تبحث عن كلمة لا تملكها. «هذا نداء.»
«نداء مِمَّن؟»
لم تجب فوراً.
ثم قالت:
«لو عرفت، لما كنت جالسةً هنا. ويجب أن تعلم أن نجاتك لم تكن مصادفة.»
بقي.
كان يستطيع أن يحاول العودة مرة أخرى. ربما ينجح. ربما يدفع أكثر مما بقي لديه. لكن لأول مرة منذ وصوله، لم يكن السرير هو المكان الوحيد الذي يمكن أن ينتهي إليه المشهد.
جلس في المرفأ، بين كائنات لا يعرف أسماءها، داخل مجتمع لا يشبه الحياة لكنه يحاول أن يقوم ببعض وظائفها.
البقعة على ساعده صغرت حتى صارت ظلاً خافتاً.
والبرودة بقيت.
والشدّ بقي.
ذلك الرجل كان إنساناً. أو كان يحاول أن يبقى شبيهاً بإنسان. كان يبحث عن اسمٍ يصلح كاسم، وعن عائلةٍ تصلح كمرساة، وعن وجه ابن ربما لم يبقَ منه إلا القالب. ثم فقد تماسكه. ثم جاع. ثم تحوّل إلى شيءٍ يقتات على الواضحين.
وأنا — كنتُ واضحاً.
هل هذا ما ينتظرني؟ هل حماية راف ومايك كافية، أم أنهم لا يهتمون بحمايتي إلا بقدر ما تبقى مني صالحاً للاستخدام؟
السؤالان لم يكونا متناقضين. كانا ربما الشيء نفسه من زاويتين.
نظر إلى الكيانات حوله، إلى المراسي الصغيرة التي صنعوها من فتات ما تبقى، وفهم أن القواعد ليست كلها عند راف، ولا كلها عند مايك.
بعض القواعد يتعلمها الذين ينجون من اليوم العادي.
لا. ليست حياة.
ثم، بعد لحظة:
لكنها ليست عدماً أيضاً.
بقي في المرفأ.
ينتظر أن يجده راف.