تم استلام بيانات جديدة من النظام.
لن أنتظر!
في الدورات السابقة، كان يستيقظ وينتظر. ينتظر راف. ينتظر مايك. ينتظر أن يأتيه أحد بالجزء التالي من الحقيقة، كمريض ينتظر نتائج التحاليل.
لكن المحيط لا يغادر الذاكرة بسهولة. تلك الثواني القليلة التي انقشع فيها الضباب. ملايين الكيانات، التيارات، الشبكة الخضراء، الهندسة الذهبية المعلقة فوق كل شيء — تركت أثراً. كحرق شبكي: حتى بعد إغماض العينين يبقى الضوء.
أنا قطرة. والمحيط هناك. وأنا أستلقي على سرير أنتظر من يشرح لي شكل الماء.
وقف.
ليس كما وقف أمام راف، ذلك كان إعلاناً. لكن هذه المرة كان قراره أن يتحرك. فرق دقيق: الإعلان يحتاج لجمهور، والقرار يكتفي بنفسه.
نظر للضباب. لم يعد رمادياً فقط. منذ الرؤية، بدأ يلاحظ أشياء لم يكن يراها، أو لم يكن يملك اللغة البصرية لتسميتها. تموجات خفيفة في الكثافة. اتجاهات في حركة الرذاذ الفضي. كأن تياراً يتدفق نحو اليسار، وتياراً آخر يصعد ببطء، وشيئاً — بعيداً جداً — ينبض.
الضباب يتحرك. ليس عشوائياً. هناك ما يبدو أنه نظام.
خطوة. خطوتان. ثلاث.
سأركّز على النية كما علّمني راف. ليست عضلات. نية.
واستجاب الضباب. ليس بانقشاع، بل بانكماش لطيف حول مساره، كأنه يفسح له ممراً ضيقاً في جسد سائل.
حسناً، سأتحرك الآن. ولكن، إلى أين؟ لم يعرف المسافة. حتى الآن، الزمن والمسافة هنا مفاهيم أقرب للمجاز منها للقياس. لكنه شعر بتغيّر في النكهة. لا كلمة أخرى تصف الأمر. الضباب حوله أصبح أكثف. أدفأ؟ لا، ليس دفئاً. هناك حضورٌ مشبعٌ بشيء يشبه الضجيج، لكنه ليس صوتاً. ما هذا؟ يبدو أقرب إلى بث منخفض التردد. أو همهمات مستمرة.
ثم بدأ يرى.
ليس ظلالاً فقط هذه المرة، بل أشكالاً تبدو مألوفة. بعضها يتحرك. بعضها ثابت. على مسافات متفاوتة، كأحجار متناثرة في نهر.
أقرب ما رآه: جدار. أو جزء من جدار. يطفو في... اللا شيء. حجارة رمادية مرصوصة بعناية، تنتهي فجأة عند حافة ممزقة. خلفها، لا شيء. كأن أحداً بدأ يبني غرفة ثم نسي. أو توقف عن تصديق أنها موجودة.
أبعد قليلاً: درج. يصعد في حلزون بطيء نحو سقف غير موجود. الدرجات الأولى صلبة. الأخيرة شبه شفافة. كأن تماسك صانعها تلاشى كلما ارتفع البناء.
شظايا ذكريات لم تكتمل. قطع من حيوات لم تجد ما يمسكها. هل هذا هو التلاشي؟
اقترب أكثر. الضجيج ازداد. ليست أصواتاً، بل ازدحام أفكار تتسرب من حدود غير محكمة الإغلاق:
«... لماذا تأخرت ...» «... باب مغلق باب مغلق باب مغلق باب ...» «... لم أقصد لم أقصد لم ...»
السياق غير مفهوم. هذه أنصاف أفكار. حلقات مكسورة. كل واحدة تعود لبدايتها قبل أن تكتمل.
والظلال هنا ليست كالظلال التي رآها سابقاً. تلك كانت بالكاد موجودة. مجرد أبخرة. هنا، هذه الظلال أقرب للبشر. بعضها يرتدي ملابس ليست من عصر واحد. لاحظ ذلك. آه، هذه مشاهد مُرحب بها. بعد أن بدأت أتعود على مشهد الثوب الرمادي عديم الملمس. وبعضها ما يشبه جلباباً من قماش خشن. معطفاً بأزرار معدنية. شيئاً لا يعرف تسميته، غطاء رأس مطرز بخيوط فضية تتلاشى وتعود.
لكن التفاصيل لم تكن ثابتة. أزرار المعطف تظهر وتختفي. لون الجلباب يتذبذب بين البني والرمادي. ملامح بعض الوجوه — أو ما تبدو أنها وجوه — تتموج كانعكاس على سطح ماء مضطرب.
هل ينسى هؤلاء تفاصيل أنفسهم، والضباب يعيد رسمها؟ بشكل خاطئ، أو ناقص ربما. أو حتى من ذاكرة شخص آخر! أتساءل كيف يبدو وجهي؟ قالها متحسساً وجهه. كالعادة، لا يوجد ملمس. فقط حدود.
ثم لاحظه.
ليس فقط لأنه كان أوضح من الآخرين — بل لأنه كان أكثر سكوناً.
شخص جالس في وضع القرفصاء على منصة صنعها بنفسه. ذلك كان واضحاً، لأن المنصة كانت بنفس "دقته" البصرية. وحوله، تدور أشكال هندسية صغيرة. ليست زينة، أقرب لأدوات. يُحرّكها بتركيز مطلق، يقارن حجماً بحجم، يتخلص من شكل ويستبدله بآخر. كعالم في مختبره لا يكترث بوجود العالم خارج جدرانه.
الوجه غير مألوف. لكن النمط؟ هذا النمط صارخ، مألوف بشكل ما. هذا شخص يبدو كأنه قضى حياة — أو حيوات — في قياس الكون وتصنيفه. تفكيكه لعناصره الأولية.
لم يلتفت للمارّين. لم يلتفت لآدم. مستغرق تماماً في نظامه الخاص. تماسك مثالي. عزلة مثالية.
حاول آدم التطفل، ووجّه منظوره نحو الجالس، دافعاً الفكرة: «أرجو المعذرة. هل أستطيع أن أسألك عن هذه الأشكال الهندسية التي...» انقطع الإرسال. شعر آدم أن هناك غزوًا فكريًا صامتًا، وترددت في ذهنه فكرة واحدة، هادئة: «ما هي القوة الخفية التي تربط الكون ببعضه، وكيف يمكننا صياغة قوانينها رياضياً؟» حاول آدم التفكير أو الرد: ما هذه الفكرة العالقة في ذهني؟! ترددت في داخله الفكرة السابقة، والتي يبدو أن مصدرها ذلك الجالس. وهو لم يتحرك. لم ينظر حتى لآدم. ظلت الفكرة تتردد بهدوء في داخله، حتى قرر الابتعاد عن ذلك الشخص. ما هي القوة الخفية التي... يبدو أنه مشغول ولا يحب أن يقاطعه أحد.
على بعد خطوات، خمسة ظلال تمسك بأيدي بعضها، رؤوسها منحنية. يجتمعون حول شيءٍ. ذكرى مشتركة؟ تسربت أطرافها لآدم: ضوء مدفأة. ضحك أطفال. لحن قديم لا يعرفه، لكنه يعرف أنه كان جميلاً. الذاكرة المشتركة تحميهم. تمنحهم صلابة لا يملكها أي منهم وحده.
لكن اللحن كان يبهت. ضحك الأطفال يتحول لصدى. وجه أحد الأطفال — في الذكرى، لا في الواقع — أصبح فارغاً. كصورة تتآكل حوافها.
بعكس ذلك الجالس، هو يزدهر وحيداً. هم يتمسكون ببعضهم ويفقدون أنفسهم ببطء. ولا أحد منهم "مخطئ".
ثم تغيّر شيء حوله. ضغط، أو كثافة؛ الكلمتان غير دقيقتين. قاموسه لم يُصنع لما بدأ يلاحظه.
الشعور ذاته من الزيارة السابقة — ثقل يسبق الحضور — لكنه هذه المرة جاء من كل اتجاه.
الظلال حوله هربت. لم تبتعد، تبخرت. حلقة الذاكرة تفككت في ثانية. الكيان المنهمك في قياساته رفع رأسه — للمرة الأولى — ثم تلاشى في صمت.
الممر الذي اكتشفه بنفسه أصبح ممراً فارغاً.
«مايك.»
لم يظهر. الواقع أعاد ترتيب نفسه، ليس ترحيباً، بل استسلاماً. وخلفه جابي. جبل من الصمت.
مايك نظر لآدم. ثم نظر حوله، للممر الذي قطعه، للجدار الناقص، للدرج الحلزوني، للمكان الذي كان فيه الشخص صاحب الأشكال الهندسية.
لم يبدُ مايك غاضباً. بدا مهتماً. ثم:
«لم يطلب منك أحد أن تأتي إلى هنا.»
لاحظ آدم طريقة وصول الفكرة. لم تكن سؤالاً. ثم أجاب:
«لم يطلب مني أحد أن أبقى في السرير أيضاً.»
رفع مايك يده. أرقام من ضوء أخضر باهت ظهرت في الهواء، تطفو وتدور:
«معامل التشتت لديك ينخفض. من 0.7 إلى 0.4. معدل استثنائي.»
ثم نظر لآدم مباشرة:
«خاصة لوافد يتجول بلا إذن في مناطق لا يعرف قواعدها.»
حاول آدم الحصول على مزيد من المعلومات. دفع فكرته: «كيف تخرج أشكالاً أو ضوءاً من يدك، وكيف تتحكم في ذلك؟»
لوّح مايك بأصابعه. تشكّل مكعب ذهبي مثالي في الفراغ بينهم. يدور ببطء. حوافه حادة كشفرة.
«إرادة مكثفة. الشيء نفسه الذي تفعله حين تمشي خطوة. لكن بتركيز أعلى.»
ثم تلاشى المكعب.
«وجودك هنا يستهلك موارد غير معتادة.»
آدم نظر حوله، للمكان الذي كانت تقف فيه حلقة الذاكرة، للمنصة الفارغة التي تركها الكيان المنهمك في قياساته:
«موارد. هل لذلك هربوا جميعاً حين وصلتم؟»
صوت جابي، كحصى مطحون:
«كل شيء هنا له ثمن. الثبات. الحماية. حتى الأثير حولك.»
جملة واحدة. ثم عاد للصمت. لكنها قالت ما لم يقله مايك: أنت لا تسأل عن الآخرين. أنت تكلّفهم.
مايك مشى ببطء. والضباب ينحني حوله كأمواج تتكسر على صخرة:
«التماسك الذي تبنيه في داخلك، ليس فقط لحمايتك. إنه الوقود الذي يبقي السقف فوق رؤوسنا جميعاً.»
نظر آدم للمنصة الفارغة مرة أخرى. الكيان الذي كان يقيس ويصنف بتماسك مثالي، كان يولد طاقة بمجرد وجوده. وحلقة الذاكرة — كانت تستهلكها للبقاء معاً.
التماسك يُنتج. التصدع يستهلك. أنا لست مريضاً يعالجونه، أنا مورد يحسبونه.
«التصدع. الشك. التناقض.» مايك اقترب خطوة. «ليست مشاعر سلبية يا آدم. قوى تدميرية. فيزيائية. مثل الصدأ الذي يأكل الحديد.»
صورة الظل المبتلع في [الهوامش] عادت لذهنه. الصرخة الصامتة. صمت الشبع.
رفع مايك يده. أصابعه انفرجت ببطء: «حتى لا يتبقى سوى غبار طاقة يذروه الضباب.»
صَمْت.
ثم بصوت أخفض، نبرة لم يسمعها من قبل:
«النظام هش رغم قوته يا بني.»
يا بني. وسط كل هذا البرود الهندسي.
«وأنت لديك طاقة قد تكون دعامة. أو معول هدم.»
آدم لم يجب فوراً. كان يفكر في شيء آخر. في حلقة الذاكرة التي تفككت بمجرد وصول مايك. في الكيان الذي اختفى. في الظلال التي هربت.
«أنت تقول إن التماسك وقود. وراف قال إن الفجوة تقتل.»
نظر لمايك:
«إذا جمعت المعادلتين — فأنا لست فقط في خطر التلاشي. أنا أيضاً مصدر طاقة تحتاجونه. وكل هذه الحماية — راف، أنت، جابي — ليست رعاية طبية.»
توقف آدم للحظة، ثم أكمل:
«إنها استثمار.»
مايك نظر إليه. نظرة أطول مما ينبغي. البيانات الخضراء، التي ظهرت حوله، توقفت عن الدوران.
«أنت تظن أنك بدأت تفهم، جهز نفسك. الأسئلة الحقيقية لم تبدأ بعد.»
شعر آدم بانتهاء المحادثة قبل الحصول على معلومات كافية... ما هذا العالم؟ أشعر بغياب كثير من الأمور، ولكن لا أعرف ما هي تحديداً. حاول التشبث بأي خيط أخير: «حقيقة، أنا لا أفهم أي شيء. ومعظم أسئلتي بدون إجابات. فقط أخبرني أمر واحد. هل كل ما يحدث هنا حقيقي؟ أنا أشعر بضياع تام، لا أعرف حتى كم قضيت هنا من وقت!»
نظرة أخيرة من جابي. طويلة. ثقيلة. لم يقل شيئاً.
ثم ظهرت فكرة مايك سريعاً: «كلمات مثل حقيقي، وقت... هذه مفاهيم أوسع مما تعرفه، وتتطلب يقيناً أعلى بكثير مما تملكه.»
وانطفآ. ليس ذوباناً، انطفاء. لحظة كانا موجودين. اللحظة التالية: لا شيء.
بقي آدم واقفاً في وسط الممر الذي اكتشفه.
الظلال بدأت تعود. ببطء. بحذر. كحيوانات تتأكد أن المفترس غادر.
حلقة الذاكرة لم تعد. المنصة بقيت فارغة.
مايك لم ينكر أنني استثمار. صَمَت ثم قال «جهّز نفسك».
حسناً.
أعرف الآن ثلاثة أشياء: المشاعر قوى. الفجوة تقتل. والتماسك وقود. وكل هذه الأشياء تعني أنني لست فقط مريضاً يعالجونه. أنا مورد يحسبونه.
والسؤال الذي لا يريدون أن أسأله: من يملك المحطة؟
عاد لسريره. أصلب مما تركه.
لأنني بدأت أصدق أنه موجود.