SCENE: SCENE_02

أولى الإجابات — لغة النوايا

أولى الإجابات — لغة النوايا
0:0024:02

الفصل الثاني: الراعي

مشهد 2: أولى الإجابات — لغة النوايا

جلس آدم على حافة سريره العائم. لم يعد يشعر بالخوف البدائي الذي اعتصر كيانه عند الاستيقاظ لأول مرة، بل حل محله نوع من الإرهاق الذهني الثقيل.

مرّت [دورتان] كاملتان منذ تلك اللحظة عند [الهوامش]. دورتان من تكرار نفس الأسئلة في الفراغ الرمادي المحيط به. راف تركه وحيداً — عمداً، على الأرجح. كان يدرك الآن أن الصمت في هذا المكان ليس غياباً للصوت، بل هو مساحة تُعطى للوافد لكي "ينضج" السؤال في داخله قبل أن يحين وقت حصاده.

الخوف قوة. الشك قوة. الفجوة بين ما أقوله وما أفعله هي الجاذبية التي تجرّني للهوامش. والجسد مجرد جهاز استقبال. والإشارة مستقلة عن تحطم الجهاز. حسناً. أقبل هذا — مؤقتاً — كفرضية عمل هندسية. لكنها فرضية ناقصة بشكل صارخ. وراف يعطيني القطع بالتقسيط المريح، كأنه يخشى أن ينفجر عقلي من فرط الحقيقة.

لماذا كل هذا الغموض؟ ولماذا أنا تحديداً؟

ظهر راف. التكثف المعتاد للضباب، كأن العدم قرر فجأة أن يتخذ شكلاً ووجهاً وصوتاً. لم تكن هناك حركة انتقال، بل كان هناك حضور مفاجئ، كفكرة تخطر ببالك دون سابق إنذار.

لم ينتظره آدم ليبدأ الكلام، بل بادره بالسؤال الذي كان يطن في رأسه كالنحلة الحبيسة:

«قلت لي في أول لقاء بيننا إن هذا المكان هو مستشفى.»

راف جلس في الفراغ أمامه. كان هادئاً، مسترخياً، ومستعداً تماماً. لم يكن يجلس على شيء مادي، بل كان "يقرر" الجلوس، فكان الفضاء يطيعه ويصبح تحت كيانه صلباً ومستقراً.

«وقلت لي إنه مكان للرعاية، وأنكم لا تعالجون العظام المكسورة ولا الأنسجة التالفة.» تابع آدم بحدة مكتومة.

«صحيح.» أجاب راف ببرود مطمئن.

«ثم قلت "عالمك القديم"، كأنه كتاب أُغلق وانتهى أمره. ثم أخبرتني أن المشاعر قوى فيزيائية، وأن الجسد جهاز استقبال، وأن القناعات هي المادة الخام التي يُبنى منها الواقع هنا.»

«كل هذا صحيح تماماً يا آدم.»

«جميل. لكنك لم تقل لي حتى الآن: ما الذي تعالجونه فينا تحديداً؟ إذا لم تكن الأجساد هي الهدف، فما هو الشيء المريض الذي استوجب كل هذا [النظام] وكل هذه الرعاية؟»

نظر إليه راف طويلاً. كان هناك شيء يشبه القرار الصعب يتشكل خلف تلك العينين الفيروزيتين اللتين تشبهان مجرة بعيدة.

«القصة.»

«ماذا؟» تعثر آدم في سؤاله.

«نحن هنا... نعالج القصة.»

«أنا لست قصة يا راف.» قال آدم بنبرة تجمع بين السخرية والاحتجاج. «أنا إنسان، أنا مهندس، أنا—»

ثم توقّف فجأة.

كان سيقول "أنا رجل له اسم وعائلة وتاريخ". لكن كل تلك التعريفات انهارت قبل أن تصل لسطح لسانه المتخيل. ماذا يكون بالضبط في هذه اللحظة؟ هنا، بلا جسد ملموس، بلا اسم يتذكره بوضوح، بلا ذاكرة تتجاوز شظايا مبعثرة كبقايا حطام طائرة؟

راف انتظر. لم يحاول ملأ الفراغ بالكلمات. ترك آدم يتخبط في محاولة تعريف نفسه، مراقباً الانهيار الصامت للهوية القديمة.

ثم، بهدوء من يعرف أنه بصدد غرس مبضع في جرح قديم، قال راف:

«أخبرني يا آدم... ما الفرق الجوهري بين الذكرى والقصة؟»

«الذكرى تسجيل لما حدث.» أجاب آدم بعد تفكير. «القصة هي تأويل لذلك التسجيل. الذكرى حقيقة، والقصة وجهة نظر.»

«وذكرياتك أنت... هل تعتقد حقاً أنها تسجيلات دقيقة، حرفية، وكاملة؟»

لم يجب آدم. كلاهما يعرف الحقيقة المرة. ذكرياته الآن ليست سوى شظايا مشوهة. لون شمعة زرقاء. إحساس عابر بدفء يد لم يعد يرى وجه صاحبها. خوف مبهم من شيء لا يستطيع تسميته. أصوات تتداخل كترددات إذاعية مشوشة.

«كل ذكرى تحملها — وكل ذكرى يحملها أي كائن واعٍ — هي بالفعل "قصة" جرت معالجتها وتعديلها.» تابع راف بجدية. «لقد تم ضغطها، تحريرها، وتلوينها بالمشاعر والتحيزات. أنت لا تتذكر أبداً ما حدث فعلاً، بل تتذكر النسخة التي استطاع وعيك حملها دون أن ينكسر تحت وطأة الحقيقة.»

«إذاً كل شيء وهم؟» صرخ آدم. «حياتي بكاملها كانت مجرد قصة خيالية كنت أحكيها لنفسي؟»

«لا.» جاء رد راف حاداً وقاطعاً، أكثر مما توقعه آدم. «القصة يمكن أن تكون صادقة أو كاذبة. والفرق بينهما هنا... فرق قاتل.»

وقف راف واقترب خطوة واحدة، محاصراً وعي آدم بوجوده الكثيف:

«القصة الصادقة هي التي يتطابق فيها ما تقوله مع ما تفعله حقاً. القصة الكاذبة هي التي تُمضي فيها عمرك تُخبر نفسك والآخرين أنك شجاع، بينما أنت في الحقيقة تختبئ خلف الأعذار في كل مرة يُختبر فيها معدنك. هي تلك التي تدّعي فيها الكرم، بينما أنت تحصي كل درهم تخرجه بيد مرتعشة. هي التي تصرخ فيها بأنك حر، بينما أنت تطيع بمنتهى الاستسلام كل صوت يرتفع فوق صوتك.»

«هذا ما سمّيته بالـ [الفجوة].» همس آدم.

«بالضبط. [الفجوة] هي المسافة المرعبة بين قصتك المُعلنة للناس — ولنفسك — وبين قصتك الحقيقية كما سُجلت في أفعالك. ووظيفتي هنا، في هذا "المستشفى"، هي أن أساعدك على تقليص تلك المسافة. ليس بأن أملي عليك ما يجب أن تؤمن به، بل بأن أجعل "المرآة" واضحة بما يكفي لكي تسمع صدى كذبك وأنت تنطق به.»

ساد صمت ثقيل، كأن الكلمات أصبحت أحجاراً تتراكم فوق صدر آدم.

«هذا هو المرض الذي نعالجه يا آدم. نحن لا نرمم عظاماً، بل نرمم الهوية. لأنك هنا — وفي كل مكان آخر في الحقيقة — لستَ سوى قصتك التي اخترت أن تعيشها.»

وقف آدم. لم يكن هناك دافع فيزيائي، بل كانت غريزة بقاء لجسد لم يعد موجوداً. كان يحتاج للشعور بالوزن، بالحضور، بإعلان أنه لن يستقبل هذه الحقائق الصادمة وهو في وضعية الاستسلام.

«إذا كان كل شيء هنا يستجيب للقناعات... إذا كان سريري أكثر صلابة لأنني أصدّق بوجوده، وإذا كنت أمشي لأنني أنوي ذلك بوعي صلب... فكيف لي أن أعرف أن أي شيء هنا حقيقي؟»

اقترب آدم من راف بخطوات مهتزة: «ربما كل ما أراه هو مجرد كابوس آخر أبنيه لنفسي لكي أهرب من حقيقة أبشع؟ ربما أنت نفسك يا راف لست سوى إسقاط لضميري المعذب؟»

ابتسم راف ابتسامة غامضة. لم تكن ابتسامة تسلية، بل كانت نظرة تقدير للمنطق الذي يحاول آدم التمسك به.

«سؤال هندسي بامتياز. قل لي يا آدم... ماذا توقعت أن تجد حين استيقظت في اللحظة الأولى؟»

«لم أتوقع شيئاً. كنت غارقاً في ذعر لا يوصف.»

«كاذب.» قال راف بهدوء. «قبل الذعر مباشرة... في تلك الأجزاء من الثانية التي سبقت فتح عينيك. ما الذي كان وعيك يبحث عنه كمرجع للأمان؟»

فكر آدم بعمق، مسترجعاً تلك اللحظات السديمية. «مستشفى... ضوء أبيض بارد... أصوات أجهزة طبية... رائحة معقمات.»

«وماذا حصلت عليه؟»

«سريراً... وشيئاً يشبه الرعاية الطبية... وأنت.»

«[الضباب] أعطاك بالضبط ما كنت تتوقعه وتتمناه كمرسى للنجاة.» أوضح راف. «ليس لأن الضباب كيان يفكر ويريد أن يريحك، بل لأن هذه هي آليته الفيزيائية البسيطة. الضباب يأخذ شكل "الإناء" الذي يُسكب فيه. وأنت، بقناعاتك وتوقعاتك، كنت الإناء.»

«وإذا توقعت جحيماً؟» سأل آدم بصوت خافت.

«لحصلت على جحيم مكتمل الأركان.»

ساد صمت مطبق. شعر آدم ببرودة تسري في "أطرافه".

«وكثيرون يحصلون عليه يا آدم. ليس لأن هناك شيطاناً يعذبهم، بل لأنهم لا يعرفون كيف يتوقعون شيئاً آخر.»

أشار راف بيده نحو الأفق البعيد. ليس باتجاه [الهوامش] هذه المرة، بل نحو منطقة أخرى من الضباب كانت تبدو أشد قتامة وكثافة. كانت تتسرب منها موجات مكتومة، ليست صرخات واضحة، بل بثّ متقطع من أنين طويل ورتيب. كان صوتاً يشبه كابوساً لا ينتهي، حيث يستمر الوعي في تكرار لحظة سقوطه للأبد.

«أولئك... بنوا سجونهم بأيديهم، ذرة بذرة، وفكرة بفكرة. لا أحد حبسهم خلف تلك الجدران الرمادية، ولا أحد عاقبهم. لقد توقعوا العقاب كنتيجة حتمية لقصصهم الكاذبة، فمنحهم [الضباب] ما طلبوه.»

«هذا مرعب... هذا يتجاوز قدرتي على الاستيعاب.»

«أو، يمكنك القول إن هذا هو "العدل المطلق" في أقسى صوره. عدالة المرآة. لا قاضٍ خارجي، لا محكمة تفتيش، لا حُكم يصدر من الأعلى. أنت وما تؤمن به حقاً، وجهاً لوجه، بلا وسيط وبلا أعذار.»

في تلك اللحظة، حدث شيء لم يسبق لآدم أن اختبره.

شيء في أعماقه — ربما كان الفهم المفاجئ، أو الخوف الوجودي، أو مزيجاً غريباً منهما — اهتزّ بتردد عالٍ جداً. شعر بقفل قديم في مركز وعيه ينكسر فجأة.

والضباب من حوله — استجاب فوراً لهذا الاهتزاز.

لم يتراجع الضباب كالعادة، بل فقد كثافته تماماً لثوانٍ معدودة. صار شفافاً كالبخار على زجاج مسحته يد عملاقة مجهولة.

ورأى آدم.

لم ير المنطقة الصغيرة التي اعتاد حدودها حول سريره.

رأى "المكان التالي" على حقيقته.

رآهم.

بالملايين.

في كل اتجاه يمتد إليه البصر، وفي كل عمق سحيق تحت "قدميه". تيارات لا تنتهي من الكيانات الواعية تتحرك في أنماط هندسية معقدة لم يستطع عقله معالجتها. كانت تدفّقات بطيئة ومنتظمة تشبه دورة دموية عملاقة في جسد كوني لا تُرى حدوده.

رأى تجمّعات ضخمة تنبض بلون بنفسجي خافت، كانت بعيدة جداً حتى بدت كعناقيد نجمية في سماء مظلمة. وفوقه — بعيداً بشكل لا يمكن قياسه — رأى شيئاً ذهبياً متوهجاً. كانت هندسة صلبة ومعقدة معلّقة كأنها "سقف العالم". رأى ومضات سماوية تعبر أطراف الرؤية كشهب باردة، وخيوطاً خضراء دقيقة تربط أشياء لا يعرف كنهها بأشياء لا يعرف أين تقع.

وتحته... كان هناك عمق بلا قاع. ظلام يتنفس بانتظام. لم يكن فراغاً ميتاً، بل كان مشبعاً بوجود أثقل من الصمت نفسه.

لم يكن هذا "غرفة" في مستشفى. كان محيطاً. بنية تحتية كونية. حركة مرور وعي لا نهاية مرئية لها.

وهو... سريره... وعيه الصغير... وأسئلته التافهة... لم يكونوا سوى "نقطة". ذرة واحدة تائهة في تيار عارم لا يكترث بوجودها ولا بأسئلتها.

ثم عاد الضباب. فجأة، وبقوة أكبر مما كان. انطبقت الكثافة الرمادية من جديد، وعاد السرير ليكون عالمه الوحيد، وعاد الصمت، وعاد راف.

وجد آدم نفسه يرتجف بعنف. كان وعيه يلهث، كأن أحداً فتح أمامه باباً على ارتفاع ألف طابق، ثم صفقه في وجهه قبل أن يسقط في الهاوية.

نظر لراف بعينين زائغتين.

راف لم يتحرك من مكانه، لكن شيئاً في عينيه قد تغيّر. لم تعد النظرة هي نظرة "الراعي" المحترف، بل كان هناك شيء أقرب للقلق الحقيقي، أو ربما الحذر.

«ماذا... ماذا كان ذلك؟» سأل آدم والارتجاف لا يزال يمزق كيانه.

صمت راف لثوانٍ، ثم وصلت فكرته بوضوح هادئ:

«تماسكك الوجودي ارتفع بشكل مفاجئ خلال حديثنا. والضباب... الضباب يستجيب دائماً للتماسك.»

«أنا لم أطلب رؤية أي شيء من هذا!» صرخ آدم.

«[الضباب] لا ينتظر منك طلباً رسمياً يا آدم. إنه لا يفكر، ولا يقرر، ولا يملك مشاعر. إنه يستجيب لفيزياء الوعي، تماماً كما يستجيب الماء لضغط الجسم الساقط فيه.»

«كل هؤلاء... الملايين التي رأيتها... أين نحن بالضبط؟»

«أكثر.» قال راف كلمة واحدة، وكانت ثقيلة كجبل يسقط على وعي آدم. «أكثر بكثير مما استطعت رؤيته في تلك اللحظة الخاطفة.»

كنت أظن أنني في غرفة. كنت أظن أن العالم قد اختُصر في هذا السرير، وفي راف، وفي تلك الظلال البعيدة. لم أكن في غرفة أبداً. كنت في قطرة ماء تظن أنها المحيط. والمحيط الحقيقي... مرعب بما يتجاوز أي خيال.

«والزمن؟» سأل آدم محاولاً التشبث بأي ثابت قديم.

«ماذا عنه؟»

«كم مضى من الوقت "الحقيقي" منذ وصولي؟ يوم؟ شهر؟ سنة؟»

مال راف برأسه قليلاً، كمن يبحث عن طريقة لشرح مفهوم اللون لشخص وُلد أعمى:

«الزمن هنا لا يتدفق يا آدم كما اعتدت. إنه يتكثف. يتجمع حول الأحداث كأنها مراكز جاذبية. دقيقة واحدة من الألم الوجودي الصرف هنا، قد تزن في وعيك ساعة كاملة. وساعة من السلام العميق، قد تمر كأنها لحظة خاطفة.»

«هذا ليس جواباً يا راف! أريد أرقاماً!»

«هو الجواب الوحيد الصادق الذي يمكنني تقديمه لك الآن.»

«بمعايير عالمي القديم... كم؟» أصر آدم.

«لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال الآن.»

لاحظ آدم الصياغة بدقة مهندس. لم يقل راف "لا أعرف". قال "لا أستطيع".

إنه يعرف الإجابة بدقة. ويختار بوعي كامل ألا يخبرني بها.

«إلى أين نمضي من هنا يا راف؟»

«ماذا تقصد؟»

«لقد قلت إن وظيفتكم هي علاجي لكي "أمضي قدماً". قدماً إلى أين؟ ما هو الهدف النهائي من كل هذا؟ أين تنتهي الرحلة؟»

ساد صمت طويل جداً هذه المرة. صمت مرئي ومحسوس. شاهد آدم القرار وهو يتخلّق خلف ملامح راف؛ رأى تصلُّباً طفيفاً في زاوية فكه، وتضييقاً في عينيه، ثم استرخاءً مدروساً ومنظماً. كان راف يزن كل كلمة في عقله كصيدلي يقيس جرعة دقيقة قد تقتل المريض أو تشفيه.

«بعض الحقائق... تحتاج لأساس صلب من الفهم قبل أن نجرؤ على البناء عليها.»

«هذا ليس جواباً أيضاً.»

«لكنه الصدق بعينه.»

فكر آدم قليلاً، ثم نظر مباشرة في عيني راف، باحثاً عن ذلك الخيط الخفي الذي يربط الكلمات بالنية الحقيقية:

«كل ما أخبرتني به حتى الآن — عن الجسد والقناعات والفجوة والقصة — هل هو "الحقيقة" المطلقة؟ أم هو مجرد "الحقيقة" التي تعتقد أن وعيي الضعيف يستطيع تحملها دون أن يتفكك؟»

شيء ما تحرك في وجه راف. سقط قناع "الراعي" المحترف للحظة، وظهر تحت كيانه شيء أقدم، أعمق، وأكثر تعباً بكثير.

«كلاهما.»

كانت الكلمة صادقة بشكل مؤلم، كأنها اعتراف طال انتظاره.

«كل ما قلته لك هو حقيقي تماماً يا آدم، بفيزياء هذا المكان وقواعده. لكنه بالتأكيد ليس "كل" الحقيقة. لأن رؤية الحقيقة الكاملة دفعة واحدة — تكسر الوعي وتفتته. لقد رأيت بعيني كيف ينكسرون، ولا أريد لذلك أن يحدث لك.»

آدم لم يتراجع، بل زاد من حدة نظرته:

«أنت تتحدث عن [الفجوة]... عن تلك المسافة بين ما هو مُعلن وما هو حقيقي. ثم تمارسها أمامي الآن بمنتهى البراعة. تقول إنك هنا لتساعدني، لكنك تحجب عني معلومات تخص جوهر وجودي. أليست هذه هي "الفجوة" بعينها يا راف؟»

ساد صمت حاد كالسكين. ثم حدث شيء لم يتوقعه آدم أبداً. ابتسم راف. لم تكن ابتسامة "الراعي" المطمئنة، بل كانت ابتسامة شخص حقيقي ضُرب بحجة منطقية دامغة لا يملك الرد عليها.

«نعم. معك حق.»

«إذاً — لدي شرط واحد لكي أستمر في هذا التعاون.»

رفع راف حاجبه متسائلاً.

«لا تكذب عليّ أبداً. إذا لم تستطع الإجابة، قل لي بوضوح "لا أستطيع الآن". لكن لا تعطني إجابات مغلفة أو كاذبة لكي تهدئ روعي. لا تصنع لي "قصة مريحة" لمجرد أنك تعتقد أنني طفل لا يتحمل الحقائق المرة. عاملني ككيان يملك الحق الكامل في أن ينكسر، إذا كان هذا الانكسار هو ثمن معرفة الحقيقة.»

صمت راف طويلاً، كأنه يراجع بروتوكولاً قديماً في عقله.

ثم مد يده ببطء. كانت المصافحة غريبة — لمسة بلا ملمس مادي حقيقي، ضغط بلا عضلات — لكن آدم شعر بها في أعماق جوهره. كأن [الضباب] نفسه قد اهتز ليصادق على هذا العقد الجديد.

«اتفقنا يا آدم. لا أكاذيب من الآن فصاعداً. فقط حقائق... مؤجلة لحين نضوجها.»

«وحين يحين موعدها؟ كيف سأعرف؟»

«ستعرف إما لأنني سأقولها لك مباشرة... أو لأن "مايك" سيقولها بطريقته الخاصة.»

«مايك.» همس آدم بالاسم.

«ستلتقي به في الدورة القادمة.»

تغيّر شيء في نبرة راف. خفّ الدفء فيها درجة واحدة ملحوظة:

«مايك ليس مثلي يا آدم. إنه لا يؤمن بالتدريج ولا بالمراحل. هو يعتقد أن الحقيقة مثل الجراحة العاجلة؛ كلما كانت أسرع وأكثر صدمة، كانت أرحم بالضحية.»

«يبدو أنني سأحب التعامل معه.»

«ربما. أو ربما ستتمنى لو أنك بقيت في دفء الضباب قليلاً أطول.»

ثم، وقبل أن يبدأ في الذوبان والعودة إلى حالته السديمية، التفت راف وقال:

«آدم.»

«نعم؟»

«حين سألتني عن الفجوة... فجوتي أنا...»

صمت راف للحظة، ثم تابع ببريق غريب في عينيه:

«كان ذلك أذكى شيء قاله لي "وافد" منذ وقت طويل جداً.»

وذاب. كقطرة حبر تسقط في محيط من الماء، تلاشى راف حتى لم يعد هناك فرق بين حضوره وبين [الضباب] المحيط.

بقي آدم وحيداً في الصمت الرمادي.

لم ينظر إلى يديه الوهميتين هذه المرة. بل وجه نظره نحو المدى اللانهائي للضباب.

الضباب يأخذ شكل الإناء. وأنا الإناء. توقعت مستشفى — فحصلت على ما يشبهه لكي يطمئن عقلي. ومن توقع جحيماً — هو يعيش فيه الآن، يحترق بنيران قناعاته الخاصة.

لا يوجد قاضٍ هنا، ولا شيطان، ولا محكمة. هي المرآة فقط. وهي أقسى أنواع العدالة التي يمكن تخيلها — لأنك ببساطة لا تستطيع الاستئناف ضد نفسك.

وأنا؟ ماذا أتوقع من نفسي الآن؟ بماذا أؤمن حقاً في تلك المناطق المظلمة التي لم أجرؤ على فتحها بعد؟

لا أعرف الإجابة. ليس بعد.

لكنني أعرف شيئاً واحداً: راف يحجب سراً هائلاً. لقد اعترف بذلك. ومايك قادم، ومايك لا يرحم.

والسؤال الذي تهرب منه راف — "نمضي قدماً إلى أين" — ربما لم يكن يحجب جوابه لأنه سر حربي.

ربما كان يحجب الجواب... لأنه يعرف أنه سيحطم كل ما تبقى مني.

أغمض آدم "عينيه" ببطء.

أنا لست جسداً تافهاً. ولست مجرد ذكريات مبعثرة وتالفة. أنا قصة. قصة يمكن أن تختار الصدق أو تختار الكذب. والفجوة بين ما أنا عليه وبين ما أدعيه، هي ما سيحدد مصيري النهائي: هل سأبقى متماسكاً هنا... أم سأنجرف ببطء نحو تلك الثقوب السوداء التي تنتظر الضعفاء في الهوامش؟

حسناً يا مايك. أنا مستعد.

***