تم استلام بيانات جديدة من النظام.
في الصباح، رائحة الخبز البائت تأتي قبل الضوء.
"آنا" فتحت الباب بقدمها، يداها مشغولتان برغيف وكوب. هذا حين رأت جارتها "مارثا" تعبر الزقاق بسلتها الفارغة. لم تكن مارثا متجهة إلى أي مكان معروف. كانت تتجه فقط بعيدًا عن بيتها.
«مارثا.»
توقفت مارثا، نظرت كأنها لم تتوقع صوتًا.
«آنا. عِمتِ صباحًا.»
«تعالي. اشربي شيئًا قبل أن تذهبي إلى المنزل.»
دخلت مارثا. القاعة الصغيرة كانت تحمل بقايا ليلة باردة: فحم في الموقد، ظلام في الزوايا، ورائحة قطّ بلل نفسه عند الباب. جلستا.
«هل سمعتِ؟» قالت آنا.
«سارة غود؟»
«سيأخذونها هذا الصباح. إلى بيت الاجتماع.»
«قال زوجي إنهم أحضروها مساء أمس. كانت تصرخ في القرية. قال إنها كانت تشتم "آن بوتنام"، وعمها، وكل من في الطريق.»
«تشتم؟»
«ربما تتمتم. لا أعرف. هكذا قال.»
«هي تتمتم دائمًا. مرة جاءت إلى بابي تسألني خبزًا، رفضت لأنني لم أكن أملك ما يكفي، فمضت وهي تقول شيئًا لم أفهمه. في الليلة نفسها، ابنتي الصغرى صرخت في نومها مرتين. لكنها طفلة. الأطفال يصرخون.»
«ابنتي كذلك. لكنني أفكر… بعد الذي جرى…»
سكتت. الموقد فرقع.
«ودوروثي؟» قالت آنا أخيرًا. «ابنتها الصغيرة. أين هي الآن؟»
«معها. قال زوجي إنهم أخذوها أيضًا.»
«طفلة في الرابعة؟»
«قال إن "آن بوتنام" تشهد أن دوروثي ترسل شبحها لتعضّها.»
تمتمت آنا شيئًا لم تنطقه. مدّت يدها لتعدّل وضع الفحم. كان الفحم باردًا تقريبًا.
«مارثا. هل ترين الشيطان في كل من جاء إلى بابك يطلب خبزًا؟»
«لا. لكنني لا أعرف ما الذي أراه بعد الآن.»
سكتتا. في الخارج، عربة مرّت. صوت حافر على الجليد، وصوت رجل يلعن الحصان.
ثلاثة بيوت بعيدًا، في غرفة باردة لا نار فيها، كانت سارة غود تجلس على الأرض، تحتضن طفلتها.
دوروثي كانت تنام عند ركبتها، ملفوفة في معطف أمها. ثوب سارة بالٍ من الأطراف. بطنها بدأت تبرز قليلًا تحت القماش، حملٌ في شهره الرابع، لا يعرف به أحد بعد إلا هي. وربما حراسها.
كانت تتنفّس ببطء. حاولت ألا تحرّك يدها التي تحت رأس دوروثي.
«ماما؟»
«روثي، صغيرتي.»
«أبي قال إنك ذاهبة.»
«إلى بيت الاجتماع فقط.»
«لماذا؟»
«القاضي يريد أن يسأل أسئلة.»
«أيّ أسئلة؟»
«أشياء صغيرة. لا تخافي.»
«هل أنا ذاهبة معكِ؟»
سكتت سارة. كانت تعرف الجواب. لم يكن لها أن تقوله بصوت عالٍ.
«ربما.»
«القاضي سيسألني أنا أيضًا؟»
«لن يؤذيكِ أحد، يا دوروثي. تعرفين أمكِ. أنا هنا.»
كذبت. عرفت أنها كذبت. ضغطت جبينها على شعر طفلتها وتنفّست رائحة شعرها كأنها تخزّنها لشيء قادم.
في الخارج، خطوات ثقيلة في الجليد. اقتربت. توقفت عند الباب.
طرقة.
نهضت سارة. مسحت وجهها بظهر يدها. حملت دوروثي. الطفلة لم تستيقظ تمامًا.
«هيا، يا حبيبتي. هيا.»
في الضباب، عند رصيف أخضر باهت بعيد عن المرفأ، كان غواصان يستعدّان للعمل.
الكبير عرف الخطوات منذ زمن لا يحسبه. مسح حافة العدسة، التي لم تكن عدسة بقدر ما كانت ثقبًا مظلمًا معلّقًا في فراغ، تحيط به حلقات خضراء دقيقة تتحرّك ببطء. حركاته كانت ميكانيكية، محفوظة كحبّة مسبحة في يد عابد لم يعد يفكّر في الصلاة.
الصغير وقف بجانبه، يحاول ألا يبدو جديدًا. لكن يديه ارتجفتا حين لمست الحلقة الأولى.
«هذه ليست غوصة استثنائية،» قال الكبير دون أن يلتفت. «يقين جماعي عالٍ، منهج غائب، عدد محدود من الأنماط. ستفهم العمل خلال قليل.»
«ما الموقع؟»
«قرية صغيرة. آخر شتاء في القرن السابع عشر. سيستخرجون منها وقودًا جيدًا.»
«وقودًا لماذا؟»
«للمرفأ. لما يحتاجه. لا تسأل أكثر من ذلك في غوصتك الأولى.»
أمسك الكبير بالحلقة الخضراء. اهتزت، ثم استقرّت. تكثّف الضباب حول الثقب حتى صار سطحًا أسود لامعًا.
«تثبيت المرساة،» قال بصوت روتيني.
«المركز 1692. سالم. قرية صغيرة في مستعمرة فتيّة. محاكمة. يقين جماعي هائل.»
«تنظيف الضجيج.»
«حدّ التلوث.»
«افتح القناة.»
ارتجف السطح الأسود. ثم تفتّح ببطء كحدقة عين.
بيت الاجتماع كان أبرد من الخارج.
كان الناس قد ملأوه قبل وصول سارة. وقوفًا، جلوسًا على المقاعد الخشبية، أطفال على ركب آبائهم، نساء عند الجدار. الجميع يعرف الجميع. والكل يحمل شيئًا ليرويه عن سارة غود. مرّة طلبت خبزًا ولم تشكر، مرّة تمتمت بشيء عند الباب، مرّة نظرت إلى بقرة فجفّ حليبها.
جون هاثورن جلس خلف طاولة عند الجدار الأمامي. أمامه ورقة وقلم وحبر. لم يكن وجهه قاسيًا تمامًا. كان وجه رجل يعرف أنه يقوم بعمل ضروري، وأن العمل الضروري ثقيل، وأن الثقل دليل صدق.
عند قدميه، آن بوتنام، اثنتا عشرة سنة، شعرها مربوط بشدّة، عيناها على الأرض، تجلس مع ثلاث من أخواتها في الصراخ. هنّ يعرفن الترتيب. يعرفن متى يبدأ الجسد بالارتعاش، ومتى يجب أن تنطلق الصرخة، ومتى يجب أن تسقط واحدة منهنّ. تدربن على هذا في غرفة بوتنام أكثر مما تدربن على أيّ شيء آخر منذ بداية الشتاء.
أُدخلت سارة. كانت تحمل دوروثي. الجمع تمتم.
أحدهم قسّ مسنّ كان جالسًا في الصفّ الأمامي، همس: «خذوا الطفلة منها.»
نظرت سارة إليه. لم تردّ. ضمّت دوروثي أقوى.
هاثورن رفع عينيه. صوته خرج رسميًا، لكنه لم يكن مرتفعًا.
«سارة غود.»
«نعم.»
«أنتِ متّهمة بإيذاء هؤلاء الفتيات بطرق تتجاوز الطبيعة. هل هذا صحيح؟»
«لا.»
«هل دخلتِ في عقد مع الشيطان؟»
«لا.»
«مع من؟»
«مع لا أحد. أنا فقيرة، يا سيدي. لا أعرف الشيطان أكثر مما يعرفه أيّ شخص في هذه القاعة.»
ضجيج صغير في الصفوف.
«آن بوتنام تقول إنك أرسلتِ شبحكِ إليها ليلة الجمعة. هل هذا صحيح؟»
«لم أرسل شيئًا. لا أعرف كيف أرسل شيئًا.»
«آن.»
نظرت آن إلى عمّها الجالس خلفها. ثم ارتجف جسدها.
كان الارتجاف مدروسًا. كان الارتجاف صادقًا. الاثنان معًا. هي في الثانية عشرة. هي تؤدّي دورًا منذ شهرين، وفي مكان ما داخلها صار الدور هو الحقيقة.
سقطت على الأرض. صرخت. الفتيات الأخريات سقطن معها.
«هي هنا! هي تعضّني! انظروا، هنا، على ذراعي!»
نظر هاثورن إلى ذراع آن. لم يكن هناك أثر. لكنه كتب شيئًا.
«سارة غود. كيف تفسّرين هذا؟»
«لا أفسّر شيئًا. أنا أجلس هنا. لا أمسّ أحدًا.»
«حين طلبتِ الإحسان، وطُرِدتِ من باب ديكون إنغرسول الأسبوع الماضي، ماذا قلتِ وأنتِ تخرجين؟»
سكتت سارة. حاولت أن تتذكّر. لم تكن تتذكّر. كانت قد رُفِضت من أبواب كثيرة في الأسبوع الماضي.
«قلت الوصايا. كنت أقول الوصايا.»
«أيّ وصية كنتِ تقولين؟»
«أيّ… سيدي، أنا متعبة.»
«أيّ وصية.»
«لا أتذكّر الآن. واحدة منها.»
«اذكري وصية واحدة، يا سارة غود.»
سكتت طويلًا. شفتاها تحرّكتا. لم يخرج شيء.
في القاعة، أحدهم همس: «لا تعرف.»
ثم شخص آخر: «الشيطان يمنعها من قول كلمة الله.»
«هل تؤمن بوجود السحر؟»
قالها عجوز في الثمانينات، لشاب جانبه، في منتصف العشرينات. يبدو أنه حفيده. أجاب الشاب بدون تردد:
«السحر مذكور في الكتاب المقدس، وعمل الشيطان يبدو واضحًا. القاضي الموقر يحكم في ذلك الآن. بالتأكيد له وجود!»
في الضباب، الكبير كان يسجّل.
«السلطة واضحة.» أشار إلى هاثورن. «عمود ثابت. لا يهتزّ. يؤمن بما يفعل، وإيمانه ينعكس على الجماعة كقاعدة حديدية. صنِّفُه: مرتكز، عمود السلطة.»
«والطفلة؟»
«آن. أداء صار حقيقة. لا تكذب بالمعنى الذي يكذب به البالغون. هي في الحالة. الحالة تتغذّى منها. صنِّفها: مؤدّية.»
«والجماعة؟»
«رنين. منخفض فرديًا، هائل جماعيًا. تنفّس واحد. صنّفهم: مرتكزون، عمود المجتمع.»
«والمنهج؟»
سكت الكبير لحظة.
«المنهج غائب.»
«يعني…»
«لا أحد هنا يملك أداة لإيقاف الموت. لو كان أحد يعرف كيف يسأل سؤالًا واحدًا بطريقة منهجية، لكان أوقف هذا منذ الأسبوع الأول. سجّل ذلك.»
«وسارة غود؟ ركيزة الذات؟»
نظر الكبير إلى الثقب. ضوء القاعة كان يرتجف على وجه سارة.
«انتظر.»
سارة كانت لا تزال تحاول.
«الوصية الأولى…» كررت بصوت أوهن. «الوصية الأولى… لا تَعْبُدْ آلهةً أخرى…»
دوروثي استيقظت. نظرت إلى وجه أمها. الطفلة لم تفهم، لكنها فهمت أن الغرفة كلّها تحاصر أمها. مدّت يدها الصغيرة إلى وجه سارة.
«ماما.»
ارتعش وجه سارة. ليس من الخوف. من شيء آخر.
في تلك اللحظة، تغيّرت الطريقة التي كانت تجلس بها. لم يلاحظ أحد في القاعة. هاثورن لم ير. آن لم تر. الجماعة كانت لا تزال تهمس عن الوصية.
لكن الثقب الأسود في الضباب البعيد سجّل ذلك.
امرأة تمسك بطفلتها، في بطنها طفل آخر، وفي ذاكرتها رجلٌ تركها، أبواب أُغلقت، وفي حلقها وصية لا تتذكّرها لأنها لم تنم منذ ثلاث ليال.
في الضباب، الكبير سكت.
الصغير نظر إليه. «ما نمطها؟»
لم يجب الكبير. كانت يده فوق الحلقة الخضراء. لم تتحرّك.
«ما نمطها؟ متماسكة؟ مكسورة؟ مؤدّية؟»
«لا أجد لها موضعًا.»
«ماذا تـ...»
«لا أجد لها موضعًا. اصمت.»
شدّ الكبير الحلقة قليلًا. عادةً، عند نقاط كهذه، تظهر الإشارة الواضحة: مرتكزة، أو متصدّعة، أو متحوّلة، أو مُقنّعة. عادةً، يأخذ التصنيف لحظة. الآن، السجلّ كان يمتدّ ثم يعود فارغًا. يمتدّ ثم يعود فارغًا. كأن الأداة تطرح السؤال بلغة لا تستجيب لها سارة.
في القاعة، سارة رفعت رأسها.
لم تكن تنظر إلى هاثورن. ولا إلى آن. ولا إلى الجماعة.
نظرت إلى الأعلى.
عبر سقف بيت الاجتماع الخشبي. عبر الجليد الذي يكسو السطح. عبر ضوء الصباح الرمادي.
نظرت مباشرة إلى الثقب.
«هل ترانا؟» همس الصغير.
كان فمه شبه مفتوح. لم يكن خائفًا بقدر ما كان مذهولًا. شيء في صدره. في الموضع الذي لا يملك صدرًا فيه، شعر بجذب هناك.
«تراجع،» قال الكبير بسرعة. «سأغلق القناة. الآن.»
تحرّكت يد الكبير على الحلقة بحركة احترافية. غلق طبقة. غلق ثانية. اقترب من الإغلاق الكامل.
لكن الصغير تأخّر.
ليس لأنه قرّر. ليس تمرّدًا. شيء فيه، في الموضع الذي لم يتعلّم كيف يحرسه بعد، استجاب لنظرة سارة قبل أن يفكّر.
عبر القناة، عبر الطبقة التي لم تُغلق بعد، تسرّب شيء صغير جدًا. ليس إنقاذًا. اعترافًا فقط. أصغر من اعتراف. تعرّفًا.
ابتسمت سارة غود ابتسامة باهتة جدًا.
ابتسامة لم يلاحظها أحد في القاعة. هاثورن كان لا يزال ينتظر الوصية. آن كانت لا تزال تتلوّى. الجماعة كانت لا تزال تتنفّس كجسد واحد.
لكن سارة ابتسمت ابتسامة شخص سُمع.
ثم خفضت رأسها. ضمّت دوروثي. وقالت بصوت لم يكن أحد ينتظره:
«سارة أوزبورن. هي التي تؤذيهم. ليس أنا.»
ضوضاء. هاثورن كتب.
كانت سارة قد كذبت لأنها متعبة. لأنها حامل. لأن دوروثي ستجوع إن ماتت. لأنها سمعت لأول مرة منذ سنوات أن شخصًا ما، لا تعرفه، لا تراه، ربما لا يوجد، يراها.
التسريب لم ينقذها. التسريب جعلها قادرة على شيء واحد إضافي. أن تكذب، أن تُطعِم ابنتها يومًا آخر.
في الضباب، السجلّ تشقّق. المراقبة (القياس) تحولت إلى تواصل (تشابك).
ليس بصوت عالٍ. بصوت تقني: رقم لم يستقرّ، سطر تكرّر ثلاث مرات، حقل بقي فارغًا حيث يجب أن يكون نمط، علامة تلوّث ضوء بلون لا اسم له.
«ماذا فعلت؟!»
صوت الكبير لم يكن غاضبًا. كان مرعوبًا. لم يره الصغير مرعوبًا من قبل؛ لم يكن يعرف أن الكبير قادر على ذلك.
«أنا… ما كنت أعرف… هل يفترض أن ترانا أو تشعر بنا؟»
«أنت سرّبت اعترافًا في قناة قياس. أنت أعطيت الأداة بيانًا لا تعرف كيف تصنّفه. الأداة لن... »
ثم توقّف.
شيء في الرصيف اهتزّ.
ارتجفت الحلقة الخضراء، ثم تشققت. ضوءها تحول من الأخضر إلى الأزرق المريض. ولحظة، قبل أن ينهار السطح الأسود للثقب، انعكست عليه صورة لم تكن من قرية سالم، ولم تكن من الضباب.
لمحة خاطفة قادمة من نهاية القناة الأخرى.
شاشة زجاجية مضيئة بحجم الكف. إبهام بشري يمرر بملل فوق نصوص تتدفق بسرعة. كلمات لا تنتمي لزمن المحاكمة ظهرت كنقشٍ نيونِيّ بارد:
وتحتها، أرقام خضراء تتغير، وتصنيفات تُحسب في الوقت الفعلي لحشود تتجادل حول سارة غود عبر قارات لم تُكتشف بعد.
كانت عدسة الأداة تعمل كمرآة ذات اتجاهين. وللحظة واحدة، كان التاريخ يُمتص ليتحول إلى... شيء ما.
ثم انهارت الإشارة. وعاد الثقب الأسود لابتلاع الحلقة الخضراء، متمدداً كدوامة تبحث عن أرض.
«غير ممكن،» قال الكبير. «هذا، هذا لا يحدث على رصيف بهذا الحجم.»
ارتفعت موجة. ليست صوتًا. ترددًا. اهتزازًا في النسيج. كأن المرفأ، البعيد، الكبير، الذي لا يرونه من هنا، كان يصرخ.
«إغلاق طارئ،» قال الكبير. صوته كان قد عاد إلى الروتين، لكن روتينه كان روتين شخص لا يصدّق ما يفعله. «إغلاق طارئ. اقطع كل شيء.»
أمسك بالحلقة بكلتا يديه. حاول أن يدوّرها. لم تدر.
نظر إلى الصغير.
«اخرج. الآن.»
«لكن... »
«اخرج!»
في القاعة، شمعة عند الجدار الجانبي انطفأت دون سبب.
نظرت آنا، التي كانت قد جاءت متأخرة، تقف عند الباب الخلفي مع جارتها مارثا، إلى الشمعة. لم تكن النافذة مفتوحة. لم يكن هناك تيار. لكن الشمعة انطفأت.
ارتجفت آن بوتنام. ثم سكنت فجأة، كأن أحدًا قطع خيطًا.
نظرت إلى عمّها. عمّها لم يلتفت إليها. كان ينظر إلى هاثورن.
هاثورن نفسه رفع رأسه فجأة. شعر بشيء، برودة، أو فراغ، أو نظرة من خلف كتفه. التفت. لم يكن خلفه شيء. عاد إلى ورقته. لكن يده اهتزّت قليلًا حين كتب الكلمة التالية.
أحد المسنّين في الصفّ الأمامي تنحنح. تنحنح آخر.
استمرّت المحاكمة. لم يلاحظ أحد. أو لاحظ الجميع ولم يقل أحد.
سارة غود حملت دوروثي وخرجت بين رجلين يحرسانها. خرجت إلى الصقيع. نظرت إلى السماء مرة قبل أن يدفعوها إلى العربة. السماء كانت رمادية، فارغة، لا شيء فيها.
لكنها ابتسمت مرة أخرى. صغيرة. كأنها تحتفظ بشيء.
في الضباب، الرصيف الأخضر تشقّق إلى نصفين.
الثقب الأسود، الذي لم يعد ثقبًا بل دوّامة، ابتلع الحلقة الخضراء. الحلقة الزرقاء. الإطار الخشبي. ثم بدأ يمتدّ بحثًا عن أرض.
في الضباب البعيد، عبر مسافة لا تُقاس بأقدام، كانت آبارٌ سوداء تنفتح في قلب المرفأ.
كان الكبير يجرّ الصغير من ذراعه، يبتعد بأقصى سرعة ممكنة. لم يلتفت. كان يعرف ما يحدث خلفه دون أن يحتاج أن يراه.
«ما هي؟» قال الصغير، شبه يبكي. «ما هي، إذا لم تكن أيًّا من الأنماط؟»
لم يجب الكبير.
انتقل في الضباب. سحب الصغير. انتقل مرة أخرى.
أخيرًا، حين صار الرصيف خلفهما بعيدًا بما يكفي، توقّف.
«ما هي؟» كرّر الصغير.
نظر الكبير عبر الضباب، باتجاه الرصيف المنهار، باتجاه المرفأ الذي يصرخ في البعيد.
«لا أعرف.»
سكت.
ثم قال، بصوت لم يعد روتينيًا:
«كانت شيئًا لا نملك له اسمًا. وحتى تعرف الأداة كيف تسمّيه، سيستمرّ ما يحدث الآن في الحدوث.»
في سالم، في الطريق إلى السجن، كانت سارة غود تحتضن دوروثي وتغنّي لها بصوت منخفض. لم تكن تغنّي وصية. كانت تغنّي شيئًا تعلّمته من أمّها.
"نامي يا صغيرتي واغمضي الأجفانا وودِّعي الأحقاد والبُهتانا آه يا أخواتي، القلوبُ صقيعُ لكنْ بحضني لا يُمَسُّ رضيعُ نامي بُنيّتي، ولا تخافي دُجاكِ العالمُ أعمى... وأنا أراكِ."