SCENE: SCENE_04

المهندس

المهندس
0:0014:28

الفصل الأول: الضباب

مشهد 4: المهندس

أدار بصره ببطء. الظلال في كل اتجاه — بعضها واضح بما يكفي لتمييز هيئات بشرية، وبعضها بالكاد موجود.

الوضوح يتناسب مع المسافة. الأقرب أوضح.

أول شيء في هذا المكان يشبه قانوناً. خيط يمكنه سحبه.

ثم صمت.

ليس صمت مستشفى — ذلك له نسيج. أجهزة. تنفّس. خطوات. صمت المستشفى يقول: أنت في مكان يعتني بك.

هذا الصمت لا يقول شيئاً على الإطلاق.

حاول التذكّر. مدّ إرادته نحو العتمة خلف جبهته. لا شيء. ليس فراغاً — غرفة مقفلة يتسرّب الضوء من تحت بابها. يعرف أنه يعرف أشياء. لا يستطيع الوصول إليها.

ثم تغيّر الضغط.

ليس في الهواء. في الكثافة. الفراغ المحيط به صار أثقل، كأن شيئاً ضخماً يقترب من الجانب الآخر لجدار لا يراه. والظلال الشاردة — تلك الأشكال التي اعتاد وجودها — هربت. تناثرت في كل اتجاه كأسراب سمك لمحت ظلّ شيء يعرفونه.

ظلّان تكثّفا. واحد عن يمينه وآخر عن يساره. حركة محسوبة. تطويق.

عن يمينه: طويل بشكل استثنائي. مفتول العضلات. ملامح غليظة. شعر قصير كالعسكريين يميل إلى لون الثلج. عينان ضيقتان لا تفصحان عن شيء. اتخذ موقعه ولم يتحرك.

عن يساره: أقصر. حليق الرأس. جبهة عريضة وفك مُصمَّم لتحمّل الصدمات. نظرات تقرأ وتُصنّف قبل أن تتكلم.

«آدم.»

ليس سؤالاً. ليس تحية. إثبات حضور. صوته لم يكن مثل صوت راف — ذاك كان تياراً دافئاً يتسلل ويطرق قبل أن يدخل. هذا هبط من أعلى واستقرّ في قاع إدراكه. ثِقل.

«أنا مايك. هذا جابي.»

لا ابتسامة. لا مقدمات.

«راف يقول إنك تتحسن. جئت لأرى بنفسي.»

حاول آدم أن يُثبّت صوته الداخلي:

«ما هذا المكان؟»

«ليس مستشفى.»

مباشرة. كأنه ينتظر السؤال.

«راف قال—»

«راف قال ما يحتاج المريض سماعه. أنا لا أعامل الناس كمرضى.»

صمت. ثم:

«هذا المكان ليس له اسم واحد. كل من يصل يسمّيه بما يستوعبه. راف سمّاه مستشفى لأن هذا ما احتجته. لكنك لم تعد تحتاجه.»

«إذاً ما هو؟»

— «محطة. [محطة عبور].»

«عبور إلى أين؟»

— «هذا يعتمد عليك.»

ابتلع آدم السؤال التالي. ليس لأنه لم يملكه — بل لأن 10 أسئلة تزاحمت في نفس اللحظة.

«هؤلاء الظلال في كل مكان — ما هم؟»

نظر مايك حوله. نظرة من يتفقد مخزوناً يعرفه عن ظهر قلب:

«عابرون. مثلك.»

«مثلي.»

«مثلك.»

الكلمة أثقل في التكرار. آدم تمسّك بالخيط:

«لكنهم مختلفون عني. بعضهم بالكاد مرئي. بعضهم يتحرك في حلقات. وأنا—»

«أنت واضح.» قالها مايك كمن يقرأ رقماً على شاشة. «أوضح مما ينبغي لشخص في وقتك.»

«وقتي؟»

«المدة التي قضيتها هنا.»

«كم قضيت؟»

«السؤال ليس له إجابة بالشكل الذي تتخيّله. الزمن هنا لا يعمل كما تعرفه.»

تدخّل جابي. للمرة الأولى، تحرّك شيء في ذلك التمثال. صوته صخر يسقط على صخر:

— «تماسك يا فتى. تلك أعراض شائعة.»

الكلمة الأولى — تماسك — اهتزّت في وعيه بثقل لا يتناسب مع حجمها. كأنها ليست مجرد نصيحة.

«أعراض ماذا؟»

أكمل جابي بنبرة واحدة:

— «أعراض [الوصول].»

«[الوصول]. إلى [محطة عبور]. بلا ذاكرة. بلا جسد. محاط بظلال.»

أوقف آدم نفسه. ثم دفع:

«أنتم تعرفون ما حدث لي. لماذا لا تقولونه؟»

نظر مايك إليه. نظرة أطول مما ينبغي. ثم:

«لأن المعلومة ليست المشكلة. استيعابك لها هو المشكلة.»

«هذا ليس قرارك.»

«بل هو قراري بالتحديد.»

صلابة. ليس قسوة — سلطة. سلطة من يعرف أن الكلمة في الوقت الخطأ تكسر أكثر مما تبني.

«إذاً أخبرني بشيء واحد.» حاول آدم أن يبدو هادئاً. لم ينجح تماماً. «لماذا أنا "أوضح مما ينبغي"؟ ما الذي يجعلني مختلفاً عن هؤلاء الظلال؟»

صمت أطول هذه المرة. مايك وجابي تبادلا شيئاً — ليس كلاماً، بل تأكيداً صامتاً، كمن أجرى هذا الحوار مائة مرة ويعرف أين ينتهي.

«لأنك تسأل.»

«الجميع يسأل.»

«لا.» قالها مايك ببطء. كأنه يشرح لطفل ذكي شيئاً يبدو بسيطاً وليس كذلك.

«معظمهم يصرخ. أو يصلّي. أو يتوقف عن التفكير تماماً. هذه ردود أفعال. أنت لا تردّ فعلاً. أنت تفكّك المكان.»

«أفكّكه.»

«تبحث عن القواعد. تلاحظ أن الوضوح يتغيّر بالمسافة. تلاحظ أنه لا يوجد صوت. تلاحظ أن الفراش ليس له دعامات.» نظر إليه. «راف أخبرني. وأنا رأيت ما يكفي.»

شيء تحرّك في صدر آدم — ليس فخراً. شيء أقدم من الفخر. شعور بأنه رُئي. بأن أحداً قرأ ما كان يفعله وفهمه.

«لكن هذا الذكاء—» أكمل مايك، وتغيّرت نبرته. ثقلت. «—سلاح ذو حدّين هنا. العقل الذي يفكّك، يستطيع أيضاً أن يفكّك نفسه.»

«ماذا يعني ذلك؟»

«يعني أن الشك عندك ليس مشكلة نفسية. هنا، الشك له وزن. والتناقض له ثمن. ما تؤمن به — أو لا تؤمن به — ليس رأياً. إنه...» بحث عن الكلمة. أو تظاهر بالبحث. «[البنية التحتية].»

«[البنية التحتية] لماذا؟»

— «لوجودك.»

كلمتان. استقرتا في قاع وعيه كحجر في بئر.

«ما أؤمن به هو [بنيتي التحتية]. ما أؤمن به هو ما يبقيني موجوداً.»

نظر إلى يديه — إلى حيث يُفترض أن تكون يداه. ثم إلى الظلال البعيدة. المشوّشة. المتفككة.

«هل هم مشوّشون لأنهم لا يؤمنون بما يكفي؟»

«انظر،» قال مايك. وكأنه قرأ الفكرة — أو كأن الفكرة كانت واضحة بما يكفي لتتسرّب:

«أنت تسأل الأسئلة الصحيحة. لكن ليس الآن.»

«متى؟»

«حين تثبت أنك تستطيع أن تحمل الإجابة دون أن تنكسر.»

«كيف أُثبت ذلك؟»

«هذا ما سنكتشفه.»

ثم وقف — أو فعل ما يعادل الوقوف في مكان بلا أرض:

«استرح. سنعود.»

وتحرّك للانصراف.

«انتظر.»

دفع الفكرة بكل ما استطاع:

«من أحضرني إلى هنا؟»

لم يجب مايك.

«هل أبلغتم أهلي؟»

توقف مايك. لم يلتفت. امتدت الثانية.

وجابي — التمثال الصامت الذي لم يقل إلا 2 جملتين طوال الزيارة — تحرّك. التفت نحو آدم. ولأول مرة، رأى شيئاً في تلك العينين الضيقتين. ليس شفقة. أقرب إلى اعتراف.

ثم جاء صوت مايك. من مكان أبعد مما ينبغي. كأنه يصعد من قاع بئر عميقة:

— «كلهم يعرفون.»

3 كلمات.

ثم انطفأ.

لم يذب كما يفعل راف — ذلك كان ذوباناً رحيماً. هذا كان مختلفاً. لحظة كان موجوداً. اللحظة التالية: لا شيء. كأن شخصاً أطفأ مصباحاً. جابي معه. وجود. عدم. بلا تدرّج.

والصمت الذي عاد لم يكن كالصمت الذي سبقه.

كلهم يعرفون.

ردّدها. قلّبها. فكّكها كما يفكّك سطراً من كود معطوب.

"كلهم" — من؟ أهله؟ يعني أن له أهلاً. أُسرة تنتظر. حياة كانت موجودة.

"يعرفون" — يعرفون ماذا؟ أنه هنا؟ أنه مريض؟ أنه في "[محطة عبور]"؟

"كلهم يعرفون" ليست جملة طبيب يُطمئن مريضاً.

"كلهم يعرفون" جملة تعزية.

والتعزية لا تُقال للأحياء.

ارتجف شيء عميق. ليس جسداً — لا جسد يرتجف. الفكرة نفسها ارتجفت.

لا. ليس بعد. لا تُكمل هذه الجملة.

لكن مايك قال شيئاً آخر. شيئاً لا يزال يطنّ:

ما تؤمن به هو [البنية التحتية] لوجودك.

والظلال — المشوّشة، المتفككة، التائهة في حلقاتها المكسورة — هل هم كذلك لأن [بنيتهم التحتية] انهارت؟

3 مرات الآن أُطفئ كما تُطفأ شاشة. 3 مرات يقررون متى أنام ومتى أصحو.

لكنه بدأ يرى شيئاً.

هذا ليس مستشفى. مايك قالها. ليس سجناً. ليس مختبراً.

لكنه [نظام]. فيه راعٍ يُهدّئ. مهندس يُقيّم. حارس يُراقب. وعابرون يتلاشون إن لم يملكوا ما يكفي من... ماذا؟ ما الذي يبقيهم؟

«تماسك يا فتى.»

الكلمة عادت. جابي قالها كنصيحة. لكنها دارت في رأسه كأنها تشخيص. أو وصفة. أو قانون.

تماسك.

والظلام بدأ يهبط. لم يقاومه. ليس استسلاماً — بل لأن هناك ما يكفي ليعمل عليه حين يصحو.

أسئلة مايك المغلقة. نظرة جابي الأخيرة. [البنية التحتية]. المحطة. العبور.

و*«كلهم يعرفون.»*

من أنا لهم؟

ما الذي يعرفه الجميع ولا أعرفه أنا؟

ولماذا يخافون أن أعرفه؟

أغمض عينيه — أو ما تبقّى من فكرة العينين.

الكلمات الثلاث لم تتوقف عن الدوران.

كلهم يعرفون.

وأنا سأعرف.

***