تم استلام بيانات جديدة من النظام.
خواءٌ رهيبٌ، [الضباب] يحيط بكل شيءٍ، ضبابٌ به لمعةٌ تتباين بين درجاتٍ باهتةٍ من الأزرق والرمادي الفضي. المشهد أقرب إلى محاولاتٍ لوصف العدم، إن جاز وصفه. البعض يتخيله مظلماً، والبعض يتخيله ضبابياً، والبعض لا يتخيله قَطّ.
حاول تشكيل الكلمة. لم يهتز لسان، ولم يمر هواء عبر حنجرة. الفكرة ظلت حبيسة، تدور وتكبر داخل عقله الذي أصبح فجأة مكاناً ضيقاً جداً.
لم يكن هناك ظلام. الظلام يقتضي غياب الضوء، وما كان يحيط به لم يكن غياباً، بل كان "شاشة توقف" كونية. رماديٌّ لا نهائي، مُشبع بضجيج أزرق "ستاتيك" يطن في قاع وعيه كذبابة محبوسة في زجاجة.
حاول عبثاً أن يتذكر اسمه مفكراً: أين أنا؟ كيف أتيت إلى هنا؟ وما هو هذا المكان؟ لم يستطع أن يعثر في ذهنه على إجابات واضحة، مجرد لمحات خاطفة لوجوه بشرية بلا ملامح، أحياناً أصوات وومضات مشوشة أقرب ما تكون إلى بثٍ تلفزيوني منتهٍ.
يبدو أن الحركة غير ممكنة! يحاول أن ينهض، أن يُحرك رأسَه في أي اتجاه، دون أي جدوى. نظر إلى حيث يجب أن تكون يداه — ولم ير شيئاً. صوّر فكرة اليد في عقله، حاول تحريك ذراعه اليمنى. ركز كل إرادته في الأمر تحركي وانتظر أن تستجيب له نهاية ذراعه، لم تستجب. شعر بشيء، ليس حركة عضلات، ولا صرير مفاصل. شعر بـ ذبذبة طنين خافت في المكان الذي يفترض أن تكون ذراعه فيه. كأن تياراً كهربائياً يسري في سلك مقطوع. كان جسده غياباً مطبقاً، ذاكرة عضلية من دون عضلات.
مستلقياً في وضعٍ أفقي، ينظر إلى الأعلى حيث كل تلك الزرقة الفضية. لاحظ أنه بخلاف اللمحات المشوشة العابرة لا يسمع أي أصوات، ولا حتّى أصوات التنفس والنبض المعتادة. لم يكن هناك اختناق، ذلك كان الجزء الأكثر رعباً. لم يكن هناك ذلك الحرقان المألوف لنقص الأكسجين. كان هناك فقط استغناء. وعيه كان معلقاً في الفراغ، سابحاً دون مرساة بيولوجية.
خطرت الفكرة المخيفة: هل حدثت مشكلة في حواسي؟ أو أن تلفاً ما قد حدث بجهازي العصبي وأثَّر على الحركة والرؤية والسمع؟ حاول توجيه إدراكه نحو زوايا الفراغ، في كل الاتجاهات الممكنة، لم يتمكن من رؤية أي جديد، نفس الضباب المُبهم.
حاول الصراخ، لم يشعر بخروج أي صوت منه، مجرد فكرة صاخبة: هل من أحدٍ هناك؟ أحس أن صوته مكتوم، أو أنه لا صوت له على الإطلاق، أزعجته الفكرة بشدة. أوقف تفكيره للحظات، بدأ في محاكاة حركة تنفس عميقة ومنتظمة - دون جدوى. حاول أن يستجمع قواه، آخر ما يتذكره… في الحقيقة لا يتذكر أي شيء. لا اسم أو وظيفة. لا أحداث أو أشخاص، ولا ما كان يفعله قبل أن يستيقظ في هذا الخدر، هذا الخواء العجيب. يبدو له أنها أحداث رواية أو مشهد من فيلم، عن شخص عاجز أو مصاب في حادث أو حتى في غيبوبة - إذا ما كان ذلك يحدث في الغيبوبة. الموت كان احتمالاً لا يمكن نفيه، ولا يمكن إثباته. لا. لا تفكر في ذلك، لا تجعله واقعك. إذا كان ميتاً، فمن أين يأتي هذا الوعي المستمر؟ وإذا كان حياً، فأين الجسد، وأين العالم، وأين الصوت الذي يجب أن يكسو الصمت؟
أين أنا؟ صرخ في صمته الداخلي. أخرجوني من هنا!
واستجاب [الضباب]. اللون الرمادي المحايد اضطرب. تموجات خفيفة بدأت تتشكل حول مركز وعيه، كأن خوفه له "وزن" فيزيائي يضغط على هذا الفراغ الهلامي. حاول أن يهدأ. التموجات بدأت تصبح عنيفة، إحساس أو وهم بدوار، رغم أنه في الحقيقة لا يشعر بأي شيء.
ركز على هذه الحقيقة. النقطة الثابتة الوحيدة في بحر من المتغيرات.
ثم أحس بالحركة! لا يعرف ماذا يتحرك تحديداً، ولا كيف أمكنه الشعور بتلك الحركة رغم عدم وجود أصوات. متأكد أن حركةً ما تحدث من حوله. [اختراق]. وجودٌ آخر، حاد ومحدد، طعن مجاله الخاص. شعر ببرودة معدنية تلمس سطح عقله المكشوف. حاول النظر في كل الزوايا الممكنة، حاول أن يصرخ، من جديد، خذلته حواسه ولم يخرج صوته، شعر بأنها فكرة مختنقة: النجدة! مَن هناك؟ للحظات لم يشعر بأي استجابة، تغلب عليه مزيج من اليأس والفزع، اختنقت الفكرة في حيز الوعي الذي أصبح سجنه الوحيد.
الذعر، الذي كان يتصاعد ببطء، انفجر الآن. كان واعياً، هذه كانت الكارثة. من جانبه الأيمن، لمحت عيناه الظِل، له حدود ومعالم بشرية. تجسد بجانبه في صمت، وبدا ساكناً للحظات. ثم امتدت من الظل ما يبدو أنهما يدين طويلتين.
شعر بلمسة باردة في جانبي رأسه. أظلمت الرؤية تدريجياً، ولم يعد يشعر بأي شي…