→ كل المقالات
أنظمة

خارج الخريطة — هندسة الآخر

2026-07-22 · A.F. Sadek

خارج الخريطة — هندسة الآخر
0:0029:14

في زمن ما، كانت جماعات بشرية كاملة تعيش وتموت دون معرفة واضحة بما وراء البحر، أو خلف سلسلة الجبال، أو في الطرف الآخر من الصحراء.

لم تكن المجتمعات القديمة معزولة تمامًا. عرف البشر الهجرة والتجارة والحروب وتبادل المعرفة عبر مسافات بعيدة. لكن قدرة كل نظام على رؤية العالم والتأثير فيه كانت محدودة. كانت معرفته تتوقف حيث تنتهي طرقه، وسلطته تضعف حيث لا يصل جنوده أو رسله أو جباة ضرائبه.

ثم اتسعت الطرق، وتحسنت السفن، وصارت الخرائط أقل فراغًا.

ظهر الآخر كتاجر أو مهاجم أو حكاية. ثم أصبح جارًا، ورعية محتملة، وأرضًا يمكن إخضاعها، وجسدًا يمكن تشغيله، وموردًا يمكن نقله إلى المركز.

وحين دخل معظم الكوكب خرائط الدول والإمبراطوريات، لم ينتهِ الصراع. تغير فقط ما تراه الأنظمة عندما تنظر إلى الآخر. صار دولة تستطيع تدميرها، لكنها تستطيع تدميرك أيضًا. ثم صار شبكة يمكن اختراقها، وسوقًا يمكن توجيهها، ومجتمعًا يمكن قياس اتجاهاته، وكتلة من البيانات يمكن استخدامها لتوقع سلوكه.

لم يحدث ذلك في خط مستقيم. لم تختفِ صورة لتحل محل أخرى. ما زالت الأرض تُحتل، والحدود تُغلق، والموارد تُستخرج، والأساطير تُصنع، والجيوش تتحرك.

لكن شيئًا واحدًا تغير بوضوح:

أصبحت الأنظمة أقدر على الوصول إلى الآخر، وأسرع في تحويله إلى صورة تستطيع العمل عليها.

حين كان الآخر خارج المدى

تحتاج الأنظمة إلى معلومات كي تعمل.

لا تستطيع الدولة فرض ضريبة على جماعة لا تعرف مكانها، أو تجنيد أشخاص لا تعرف أسماءهم وأعمارهم، أو استخراج موارد من أرض لا تستطيع بلوغها. لهذا ارتبط مدى السلطة طويلًا بمدى الطريق، ودقة السجل، والوقت الذي يحتاجه الأمر كي يصل من المركز إلى الأطراف.

أما ما يقع خارج هذا المدى، فكان يدخل المعرفة من طريق آخر: الرحالة، والتجار، والجنود، والحكايات.

ولأن المعلومات كانت ناقصة، اختلط الوصف بالخيال. ظهرت في ثقافات عديدة تصورات عن أقوام غريبة تعيش عند أطراف العالم المعروف. وفي بعض الخرائط الأوروبية في العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث، ملأت الكائنات البحرية والمخلوقات المتخيلة المساحات التي لم تكن الجغرافيا قد حسمتها بعد. لم تكن كل خريطة قديمة مليئة بالوحوش، ولم يكن الإنسان يصدق كل رسم يراه، لكن الفراغ الجغرافي أتاح للأسطورة أن تعمل حيث لم تصل المعرفة.

لم يكن الآخر عدوًا دائمًا. قد يكون شريكًا تجاريًا، أو مصدرًا لسلعة نادرة، أو مجرد شعب لا يعني النظام في شيء.

وكان الجهل به يحميه أحيانًا.

فما دام خارج الخريطة، يبقى خارج الحساب. لا يمكن استخراج الكثير منه، ولا إعادة تنظيم حياته، ولا فرض قوانين المركز عليه.

لكن هذه الحماية تنتهي حين ينفتح الطريق.

حين ظهر الآخر على الحدود

مع نمو الدول والإمبراطوريات، تحول المجهول إلى جار.

أصبح الآخر تاجرًا يعبر الحدود، أو جماعة تنازع على الأرض والماء، أو قوة عسكرية تقترب، أو مجتمعًا يمكن ضمه إلى مجال الضرائب والتجنيد.

منذ تلك اللحظة، لم يعد كافيًا أن يُحكى عنه. صار من الضروري تحديد موقعه داخل النظام.

من هو المواطن؟ من هو التابع؟ من يدفع الضريبة؟ من يخدم في الجيش؟ من يخضع للقانون نفسه؟ ومن يقع خارجه؟

استخدمت الإمبراطورية الرومانية تمييزات قانونية واضحة بين الحر والعبد، والمواطن وغير المواطن، وأهل الإمبراطورية والشعوب التي تقع وراء حدودها. وظهرت كلمة barbaricum لتصف عالمًا خارج المجال الروماني، في مقابل الحضارة التي ربطها الرومان بإمبراطوريتهم.

لكن روما لم تعتمد الإقصاء وحده. كان منح المواطنة ودمج النخب المحلية من أدوات استمرارها أيضًا. توسعت دائرة المواطنة عبر القرون، إلى أن مُنحت سنة 212 ميلادية لمعظم السكان الأحرار داخل الإمبراطورية. كانت الحدود بين «نحن» و«هم» قابلة للتغيير حين يخدم التغيير استقرار النظام.

وفي الصين، لم تكن الحدود الشمالية مجرد سور يفصل عالمين. كانت منطقة مستمرة من الحرب والتجارة والهجرة والتبادل. اختلفت سياسات السلالات باختلاف قوتها والظروف المحيطة بها: حرب في وقت، واتفاقات وتجارة وزواج سياسي واستيعاب في وقت آخر. كما اختلف التفكير في سكان الأطراف أنفسهم؛ فاعتبرهم بعض الخطاب قابلين للاندماج في الحضارة، بينما عاملتهم اتجاهات أخرى بوصفهم مختلفين بطبيعتهم.

واستخدمت الإمبراطوريات الإسلامية ثم العثمانية تصنيفات قانونية وضريبية مرتبطة بالدين والولاء والمكان، مع منح جماعات مختلفة مساحات متفاوتة لإدارة شؤونها. لكن الصورة الشائعة عن «نظام مِلل» واحد وصلب ظل ثابتًا منذ القرن الخامس عشر، ليست دقيقة؛ فقد تغيرت المصطلحات والمؤسسات، وأخذ الشكل المعروف لهذا التنظيم يتبلور بصورة أوضح في العهد العثماني المتأخر.

لم تكن هذه الإمبراطوريات متطابقة، ولم تكن كل علاقة بين المركز والأطراف علاقة استغلال مباشر. احتاجت الأنظمة الكبرى إلى التعاون مع النخب المحلية، واحترام عادات قائمة، والسماح بدرجات من التعدد كي تستطيع الحكم.

لكنها اشتركت في مشكلة عملية واحدة:

لا يستطيع المركز التعامل مع ملايين البشر في كامل اختلافهم. يحتاج إلى تحويلهم إلى فئات يمكن للقانون والجيش والخزانة فهمها.

مواطن. تابع. دافع ضريبة. جندي. عبد. حليف. عدو.

ليست كل فئة ظلمًا في ذاتها؛ فلا توجد إدارة من دون أسماء وسجلات وتصنيفات. لكن الفئة تصبح مصيرية عندما تحدد ما يستطيع الإنسان امتلاكه، وأين يمكنه العيش، وما الذي يدفعه، ومن يحق له محاكمته، وما إذا كانت حياته مساوية لحياة غيره أمام النظام.

لم يعد الآخر أسطورة وراء الجبل.

أصبح اسمًا في سجل.

حين أصبحت الأرض قابلة للتقسيم

تغير حجم العملية حين التقت الملاحة العابرة للمحيطات بالبارود والخرائط والتمويل المنظم.

لم يكن الغزو أو الاستعباد أو استخراج الموارد اختراعًا أوروبيًا. مارست إمبراطوريات كثيرة هذه الأفعال قبل صعود أوروبا البحرية. لكن القوى الأوروبية جمعت، منذ أواخر القرن الخامس عشر، بين السفن المسلحة ورأس المال والشركات الاحتكارية والدولة المركزية، واستطاعت أن تمارس القوة عبر محيطات كاملة.

في معاهدة تورديسيلاس سنة 1494، اتفقت تاجا قشتالة والبرتغال، بمباركة بابوية، على خط يقسم مناطق التوسع بينهما من القطب إلى القطب، على مسافة محددة غرب جزر الرأس الأخضر. لم تكن الشعوب التي تعيش في تلك الأراضي طرفًا في الاتفاق، ولم يكن الطرفان يعرفان أو يسيطران فعليًا على معظم العالم الذي قسماه إلى منطقتي نفوذ.

كانت الخريطة تسبق السيطرة.

لا يجعل الخط المرسوم على الورق الأرض ملكًا لمن رسمه. لكنه يعلن الطريقة التي بدأ النظام ينظر بها إلى العالم: مساحات قابلة للتوزيع، وطرق قابلة للاحتكار، وشعوب يمكن التعامل معها كعقبات أو عمال أو رعايا محتملين.

في المراحل الأولى، لم يكن احتلال المساحات الشاسعة ضروريًا أو ممكنًا دائمًا. كان الأكثر كفاءة هو السيطرة على الموانئ والجزر والمضايق ومحطات التموين، وعلى المسارات التي تمر عبرها السلع.

من يسيطر على الطريق يستطيع أن يستخرج من الداخل دون أن يحتل كل شبر فيه.

ثم تطورت الشركات الإمبراطورية من مؤسسات تجارية إلى سلطات سياسية وعسكرية. تحولت شركة الهند الشرقية البريطانية، بعد انتصاراتها في منتصف القرن الثامن عشر، إلى قوة شبه سيادية في أجزاء واسعة من الهند. سيطرت على إيرادات البنغال وبيهار وأوريسا، وحافظت على جيش كبير، وربطت قدرتها العسكرية بالضرائب والموارد التي جمعتها من المناطق الخاضعة لها. لم تعد الشركة تبيع وتشتري داخل دولة؛ أصبحت هي نفسها جزءًا من جهاز الحكم.

وفي تجارة العبيد عبر الأطلسي، وصل تحويل الإنسان إلى مورد اقتصادي إلى صورة مباشرة وقاسية. اختُطف وبِيع ونُقل ملايين الأفارقة إلى الأميركتين، وأُعيد تعريفهم قانونيًا بوصفهم ملكية قابلة للشراء والتوريث والنقل. وتوثق قاعدة بيانات SlaveVoyages أكثر من ستة وثلاثين ألف رحلة مرتبطة بهذه التجارة، إلى جانب تقديرات أوسع لحجمها الكامل.

لم يكن الإنسان في هذه العملية مجرد عامل يجري استغلاله. كان النظام الاقتصادي والقانوني ينزع عنه الاعتراف باستقلاله، ثم يعيد إدخاله في الحساب كقوة عمل لها سعر.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، جاء مؤتمر برلين ليضع قواعد للتنافس الأوروبي في إفريقيا، خاصة في حوض الكونغو وحرية التجارة والملاحة وشروط الاعتراف بالمطالبات الجديدة.

لم يجلس المندوبون في برلين ليرسموا كل الحدود الإفريقية الحالية واحدة بعد الأخرى، كما تختصر الحكاية الشائعة الحدث. لكن المؤتمر أقر شروط الإخطار، وربط الاعتراف بالمطالبات الساحلية الجديدة بوجود سلطة فعلية تكفي لحماية الحقوق القائمة وحرية التجارة، وساعد بذلك على تنظيم وتسريع التدافع الذي أدى إلى فرض السيادة الأوروبية على معظم القارة. كان الأفارقة موضوعًا لهذه المطالبات، لا شركاء في وضع قواعدها. وتُظهر الوثائق الدبلوماسية اللاحقة كيف استندت القوى إلى مواد مؤتمر برلين عند إعلان الحمايات والسيادة على مناطق إفريقية مختلفة.

لم يقدم الاستعمار نفسه دائمًا بوصفه عملية نهب.

تحدث عن نشر الحضارة، وعبء الرجل الأبيض، والتعليم، والدين، والتقدم، وإنهاء العبودية، وفتح التجارة. وقد آمن أفراد كثيرون ببعض هذه الأهداف فعلًا. لكن صدق الاعتقاد الشخصي لا يغير وظيفة الخطاب حين يمنح قوة خارجية الحق في تحديد ما يحتاجه شعب آخر، ثم إدارة أرضه وعمله وموارده باسمه.

أصبحت السيطرة مشروعًا أخلاقيًا في لغتها، واستخراجيًا في بنيتها.

حين امتلأت خريطة السيادة

مع بداية القرن العشرين، كان معظم الكوكب قد دخل خرائط السيادة والمطالبات الإمبراطورية.

لم تعد القوى الكبرى تتوسع في عالم بعيد لا تلاقي فيه منافسًا مماثلًا. أصبحت الإمبراطوريات الصناعية تواجه بعضها مباشرة، وتتنافس على الأسواق والممرات والمستعمرات وموازين القوة.

أنتج ذلك الحرب الشاملة.

وخلال الحرب العالمية الأولى، لم تكن الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية جبهات قتال فقط. كانت أيضًا موضوعًا لترتيبات تكتبها قوى خارجية لما سيحدث بعد سقوط الدولة، قبل أن تكون نتيجة الحرب قد حُسمت.

في سنة 1916، عقدت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سايكس–بيكو سرًا، بموافقة روسيا القيصرية. قسمت الاتفاقية أجزاء واسعة من المشرق العثماني إلى مناطق تستطيع فرنسا أو بريطانيا أن تمارس فيها إدارة أو سيطرة مباشرة، وأخرى تنال فيها أولوية النفوذ والمشورة والمشروعات. ذكرت الاتفاقية دولة عربية مستقلة أو اتحادًا عربيًا في بعض المساحات، لكن داخل نظام توزعت فيه الأفضلية بين القوتين. لم يكن ممثلو سكان هذه الأراضي أطرافًا موقّعين يملكون سلطة مساوية على النص.

لم ترسم سايكس–بيكو وحدها حدود الشرق الأوسط الحالية. لم تُنفذ بصورتها الأصلية، وعدّلت الحروب والمقاومة المحلية والتسويات اللاحقة ونظام الانتداب كثيرًا مما اقترحته. لكنها تظل وثيقة كاشفة، لا لأن كل خط قائم اليوم خرج مباشرة من قلمها، بل لأن قوتين تعاملتا مع المستقبل السياسي لمجتمعات مأهولة بوصفه شيئًا يمكن توزيعه بينهما على خريطة.

وفي الثاني من نوفمبر 1917، أصدرت الحكومة البريطانية وعد بلفور في رسالة إلى اللورد روتشيلد. أعلنت أنها تنظر بعين العطف إلى إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، وكانت فلسطين ما تزال تحت الحكم العثماني، ولم تكن بريطانيا تملك السيادة عليها. وأضافت الرسالة ألا يُفعل ما يضر «بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين». واختزل حضور الفلسطينيين في النص في شرط واحد: ألا تتضرر حقوقهم المدنية والدينية.

تكمن خطورة النص أيضًا في تفاوت لغته. سمّى طرفًا «الشعب اليهودي» وربط به مشروعًا قوميًّا، بينما لم يسمِّ العرب الفلسطينيين شعبًا، بل عرّفهم بالنفي: «الجماعات غير اليهودية». وذكر لهم حقوقًا مدنية ودينية، دون أن يذكر لهم حقوقًا سياسية أو قومية موازية. لم يكن هذا مجرد نقص لغوي. حين أُدرج مضمون الوعد في صك الانتداب على فلسطين سنة 1922، انتقلت هذه الصياغة من رسالة سياسية إلى جزء من البنية التي حكمت البلاد. لم تعد بريطانيا تعلن نتيجة ترغب فيها فحسب؛ أصبحت السلطة المكلّفة بإدارة الإقليم مطالبة بتهيئة الشروط لها، بينما بقي السكان الذين لم يسمّهم الوعد شعبًا داخل الفئة الأضعف في نصه.

لا يختصر اتفاق أو إعلان واحد تاريخ المنطقة، ولا تمحو قوة الوثائق أفعال سكانها ومقاومتهم ومشروعاتهم السياسية، ولا تفسر وحدها كل حرب جاءت بعد ذلك. لكن سايكس–بيكو ووعد بلفور يكشفان درجة جديدة من هندسة الآخر: لم تعد القوة الخارجية تكتفي برسم الأرض أو المطالبة بمواردها؛ صارت تكتب الفئات التي سيُعترف بها، والحقوق التي ستُسمى، والمستقبل الذي سيبدأ جهاز الحكم بمحاولة صنعه.

من تورديسيلاس إلى برلين، ثم سايكس–بيكو ووعد بلفور، لم تكن الوثائق تفعل الشيء نفسه. قسمت واحدة مجالات التوسع، ونظمت أخرى شروط الاعتراف بالمطالبات، ووزعت ثالثة مناطق النفوذ، وكتبت الرابعة مستقبلًا سياسيًا غير متكافئ لأرض مأهولة. لكن الحركة المشتركة واضحة: حين تقترن الخريطة أو الوثيقة بالقوة، لا تعود وصفًا للعالم فقط؛ تبدأ في إعادة صنعه.

أتاحت السكك الحديدية والمصانع والتجنيد الجماهيري والبيروقراطية والدعاية للدول أن تعبئ مجتمعات كاملة للقتال. لم يعد العدو جيشًا يقف على الحدود فحسب؛ أصبح شعبًا واقتصادًا وصناعة يمكن ضربها وإخضاعها.

وفي أغسطس 1945، أظهرت قنبلتا هيروشيما وناغازاكي أن دولة واحدة تستطيع تدمير مدينة كاملة بسلاح واحد، وقتل أعداد هائلة فورًا ولاحقًا بسبب الإصابات والإشعاع. دخلت الأنظمة بعد ذلك سباقًا لبناء ترسانات أكبر وأسرع وأكثر قدرة على النجاة من الضربة الأولى والرد عليها.

بلغ منطق الردع النووي ذروته في فكرة التدمير المتبادل المؤكد.

لا يحتاج النظام إلى استخدام السلاح كي يؤدي السلاح وظيفته. يكفي أن يقتنع الخصم بأن الضربة الأولى لن تمنع الرد، وأن الهجوم سيؤدي إلى دمار لا يستطيع المهاجم تجنبه. أصبح الأمن قائمًا على قدرة كل طرف على إلحاق كارثة بالطرف الآخر حتى بعد تعرضه للهجوم.

كانت المفارقة واضحة:

طورت الأنظمة أقوى أدواتها لحماية نفسها، ثم اكتشفت أن الاستخدام الكامل لهذه الأدوات قد يدمر المركز والآخر والمسرح الذي يتصارعان عليه.

لكن الردع بين القوى النووية لم يصنع عالمًا مسالمًا.

انتقل جزء كبير من الصراع إلى الانقلابات والحروب الأهلية والحروب بالوكالة في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. كانت لهذه المجتمعات صراعاتها المحلية وفاعلوها ومصالحها؛ لم تكن قطعًا بلا إرادة. لكن القوى الكبرى كثيرًا ما اختزلتها في سؤال واحد: أي معسكر سيحكم هذه المنطقة؟

صار الآخر منطقة نفوذ، أو حزام صد، أو نظامًا تابعًا، أو خطرًا أيديولوجيًا.

لم تعد الأرض تُقاس فقط بما تنتجه.

أصبحت تُقاس أيضًا بموقعها بين نظامين قادرين على تدمير العالم.

حين دخل الآخر الشبكة

لم يلغِ العصر الرقمي الجغرافيا.

ما زالت الموانئ والمضايق والقواعد العسكرية والموارد الطبيعية تؤثر في قوة الدول. لكن فوق الخريطة المادية ظهرت طبقة جديدة: كابلات واتصالات وأقمار صناعية ومراكز بيانات ومنصات وأنظمة دفع وسلاسل توريد عالمية.

تمر الغالبية الساحقة من حركة البيانات الدولية عبر كابلات اتصالات ممتدة في قاع البحار. وبحسب الاتحاد الدولي للاتصالات، تحمل هذه الكابلات أكثر من 99 في المئة من حركة البيانات الدولية، وتربط الاقتصاد والتمويل والحكومات والخدمات السحابية عبر القارات. معظمها مملوك أو مشغّل من جهات خاصة، لكنه أصبح بنية أساسية تعتمد عليها الدول نفسها.

وأصبحت الرقائق الإلكترونية نقطة اختناق أخرى. إنتاج أشباه الموصلات موزع عبر دول وشركات متخصصة، لكنه شديد التركّز في مراحل حاسمة. لا توجد دولة واحدة تسيطر على كل المراحل، ولا تستطيع المصانع المختلفة أن تحل محل بعضها بسهولة، خاصة في التقنيات المتقدمة. لهذا يمكن لتعطل مصنع أو دولة أو طريق تجاري أن يؤثر في صناعات بعيدة لا تبدو مرتبطة به مباشرة.

لم يحل صراع الرقائق محل صراع النفط أو الممرات البحرية أو المعادن.

أُضيف إليها.

فالدولة التي تعتمد على شركة أجنبية في الحوسبة السحابية، أو على عدد محدود من المصانع في الرقائق، أو على كابل واحد يصلها بالشبكة العالمية، قد تملك سيادتها القانونية ولا تملك استقلالها التشغيلي الكامل.

وتغيرت قيمة المعلومات أيضًا.

كانت الدول القديمة تجمع السجلات كي تعرف من يعيش داخل حدودها، ومن يملك الأرض، ومن يدفع الضريبة، ومن يمكن تجنيده. أما الأنظمة الحديثة، فتستطيع جمع آثار مستمرة عن الحركة والشراء والبحث والموقع والاتصال والعلاقات والاهتمامات.

نشأ تحالف العيون الخمس من تعاون استخباراتي بين الولايات المتحدة وبريطانيا، ثم انضمت إليه كندا وأستراليا ونيوزيلندا. أتاح هذا التعاون تبادل المعلومات والقدرات وتوسيع نطاق الجمع والتحليل بدرجة لا تستطيع كل دولة تحقيقها منفردة.

وفي سنة 2013، كشفت الوثائق التي سربها إدوارد سنودن عن حجم برامج جمع الاتصالات والبيانات التي كانت تعمل تحت سلطات قانونية واستخباراتية متعددة. لم تثبت التسريبات أن كل شبكة اتصال صُممت أصلًا لتكون أداة مراقبة، لكنها بينت أن البنية التي تحمل الاتصالات اليومية يمكن استخدامها في جمع واسع، وأن الحدود بين الاتصال المدني والمادة الاستخباراتية أضعف مما كان يظنه الجمهور. دفعت الكشوف الحكومة الأميركية وغيرها إلى مراجعات ونقاشات وإصلاحات تتعلق بالرقابة والخصوصية والسلطات القانونية.

وبجوار الدولة، ظهرت شركات لا تحتاج إلى إجبار المستخدم على الكلام.

هو يبحث، وينقر، ويتحرك، ويشتري، ويتوقف أمام صورة، ويغلق أخرى. كل فعل يبدو صغيرًا منفردًا، لكنه حين يجتمع مع أفعال ملايين الأشخاص يتحول إلى مادة يمكن تحليلها.

لم يعد الهدف معرفة ما فعله الإنسان فقط.

أصبح الهدف توقع ما سيفعله.

يُستخدم هذا التوقع لتحسين الخدمات، وكشف الاحتيال، وتقدير المخاطر، وتخصيص المحتوى، وتوجيه الإعلانات. لكنه يمنح المؤسسة أيضًا قدرة على اختبار ما يجذب الانتباه، وما يدفع إلى الشراء، وما يبقي المستخدم داخل المنصة.

لا تساوي هذه العلاقة العبودية أو الاحتلال، ولا يصح جمع كل أشكال السلطة في اسم واحد. تختلف وسائلها ودرجات العنف والقدرة على الرفض اختلافًا جوهريًا.

لكن نمطًا قديمًا يبقى ظاهرًا:

لكي يتعامل النظام مع الإنسان، يصنع منه نسخة أبسط.

وفي الماضي كان الآخر غالبًا شخصًا يعيش وراء الحدود. أما الآن، فقد يكون المواطن نفسه.

عند المطار يصبح رقم جواز وسجل سفر ومؤشر خطر. أمام البنك يصبح دخلًا وتاريخًا ائتمانيًا واحتمال تعثر. أمام شركة التأمين يصبح مجموعة مخاطر. في مكان العمل قد يصبح مؤشرات أداء وإنتاجية. أمام المنصة يصبح احتمالًا لما قد ينقر عليه أو يشتريه أو يصدقه.

هذه النماذج ليست عديمة الفائدة. لا تستطيع المؤسسات التي تتخذ ملايين القرارات أن تعرف كل إنسان معرفة شخصية كاملة.

لكن المشكلة تبدأ حين لا يستطيع الشخص رؤية النموذج الذي يحكمه، أو تصحيح الخطأ الموجود فيه، أو مناقشة القرار الذي صدر عنه.

هنا لم يعد الآخر من يقف خارج النظام.

قد يصبح أي شخص «آخر» في اللحظة التي يضعه فيها النظام داخل فئة لا يثق بها أو لا يفهمها أو يريد التحكم فيها.

العالم الذي تجتمع فيه كل الصور

من السهل تقديم تاريخ الأنظمة كرحلة انتقلت من الغزو العنيف إلى السيطرة الرقمية الهادئة.

لكن هذا لم يحدث. الفظائع مستمرة.

ما زالت الدول تغزو. ما زالت الأراضي تُنتزع. ما زالت الموانئ تُحاصر. ما زالت الموارد تُستخرج في علاقات غير متكافئة. ما زالت الأقليات والمهاجرون والشعوب المنافسة تتحول في الخطاب السياسي إلى خطر واحد متجانس.

لم تستبدل البيانات السلاح. أضيفت إليه.

يستطيع النظام المعاصر أن ينظر إلى الجماعة نفسها بوصفها سوقًا لمنتجاته، ومصدرًا لمعدن يحتاجه، وخطرًا أمنيًا، وحليفًا سياسيًا، وكتلة من البيانات، في الوقت نفسه.

وقد تبدأ العلاقة بعقد تجاري، ثم تتحول إلى اعتماد تقني. وقد يبدأ الصراع بحملة إعلامية، ثم ينتقل إلى عقوبات مالية، ثم إلى حصار طريق أو ميناء، ثم إلى القوة العسكرية.

القوة الحديثة لا تكمن في أداة واحدة.

تكمن في القدرة على الجمع بين الأدوات وتبديلها.

لكن هذه القدرة ليست كاملة.

فالأنظمة لا ترى الواقع مباشرة. تراه من خلال الخرائط والتقارير والسجلات والمؤشرات والنماذج التي صنعتها.

ولهذا تخطئ.

فشلت إمبراطوريات في فهم المجتمعات التي حكمتها. وفشلت أجهزة استخبارات في توقع ثورات وانهيارات. وأنتجت حدود صُممت للاستقرار نزاعات طويلة. وأخطأت نماذج مالية وأمنية في تقدير المخاطر التي ادعت قياسها. وقد تدفع الخوارزمية الناس إلى السلوك الذي تزعم أنها لا تفعل إلا توقعه.

كل أداة تكشف شيئًا وتحجب أشياء أخرى.

الخريطة التي توضح الطريق لا تحمل كل بيت وعلاقة وذاكرة داخل الأرض. والتعداد الذي يخبر الدولة بعدد السكان لا يخبرها بما يريدونه أو ما قد يدفعهم إلى رفضها. والنموذج الذي يتوقع ما ستشتريه قد يعرف عاداتك السابقة، لكنه لا يعرف بالضرورة لماذا قد تتغير غدًا.

يصبح النظام قويًا لأنه يختصر.

وقد يفشل للسبب نفسه.

خارج الخريطة

بدأت هذه الرحلة بأناس لم تعرف الأنظمة عنهم إلا القليل.

كانوا خارج الخريطة لأن وسائل الوصول إليهم كانت محدودة. ثم وصل التاجر والجندي والمساح وجابي الضرائب. دخلت أسماؤهم السجلات، وأراضيهم الحسابات، وأجسادهم أسواق العمل والحرب.

واليوم، يعيش معظم البشر داخل آثار الأسواق والدول وشبكات المعلومات. حتى من لا يستخدم منصة رقمية يعيش داخل اقتصاد وسياسات ومؤسسات تعتمد على البيانات.

لكن الدخول إلى الخريطة لا يعني أن يراك النظام كما أنت.

قد يعني فقط أنه صنع نسخة منك يستطيع استخدامها.

عبر التاريخ، تغير اسم هذه النسخة: بربري، تابع، عبد، رعية، عامل، عدو، مواطن مشتبه به، مستهلك، ملف بيانات.

لا تحتاج الأنظمة إلى ضمير شرير موحد كي تنتج الشر. يكفي أن يصبح الاستقرار والسيطرة والكفاءة أهدافًا أعلى من الإنسان الذي يُفترض أن تخدمه المؤسسة. عندها يمكن أن يتحول الضرر إلى إجراء قانوني، والاستغلال إلى بند اقتصادي، والإقصاء إلى نتيجة محايدة خرجت من نموذج.

وفي المقابل، لا يمكن إدارة مجتمع واسع بلا خرائط أو سجلات أو مؤسسات أو بيانات. تستطيع الأدوات نفسها أن توزع الدواء، وتنظم النقل، وتكشف المرض، وتحمي الحقوق.

الفارق لا يقع في الأداة وحدها.

يقع فيمن يملكها، وما الذي يستطيع فعله بها، وهل يستطيع الإنسان الذي تصفه أن يعترض على وصفها وقرارها.

أخطر ما يفعله النظام ليس أنه يعرف الكثير عن البشر.

بل أن يمتلك القوة اللازمة لمعاملتهم كما لو أن ما عرفه هو كل ما هم عليه.

فالخريطة لا تحمل الأرض كلها.

والملف لا يحمل الإنسان كله.

لكنهما، حين يرتبطان بالسلطة، يستطيعان تحديد مصيره.

مصادر مختارة